تفسير ابن كثير
{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)}.
ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها، {وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} أي: وكذلك الربانيون منهم، وهم العلماء العباد، والأحبار وهم العلماء {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} أي: بما استودعوا من كتاب اللّه الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به، {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} أي: لا تخافوا منهم وخافوا مني، {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} فيه قولان سيأتي بيانهما.
***
سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات:
قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال: إن الله أنزل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] قال: قال ابن عباس: أنزلها اللّه في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقًا ¬الوسق: حمل بعير (المصباح المنير 2/ 336).¥، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فذلت الطائفتان كلتاهما، لمقدم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويومئذٍ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلًا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان في حَيَّيْن قط. دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض، إنما أعطيناكم هذا ضيمًا ¬أي: ظلمًا.¥ منكم لنا وفرقًا ¬أي: خوفًا.¥ منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بينهم، ثم ذكرت العزيزة، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيمًا منا وقهرًا لهم فدسّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، فدسّوا إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما جاؤوا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، أخبر اللّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل اللّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله: {الْفَاسِقُونَ} ففيهم والله أنزل، وإياهم عنى اللّه عز وجل ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر (المسند ح 2212)، وصححه أيضًا الساعاتي (الفتح الرباني 18/ 131).¥. ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن [أبيه] ¬كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل بياض.¥ بنحوه ¬السنن، الأقضية، باب في القاضي يخطئ (ح 3576)، قال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح 3053).¥.
وقال أبو جعفر بن جرير، حدثنا هناد بن السري وأبو كريب، قالا: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن الآيات التي في المائدة قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} إلى {الْمُقْسِطِينَ} إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، تؤدى لهم الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل اللّه ذلك فيهم، فحملهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، واللّه أعلم أي ذلك كان ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن إسحاق بنحوه ¬مسند أحمد 1/ 363، وسنن أبي داود الأقضية، باب الحكم بين أهل الذمة (ح 3591)، وسنن النسائي القسامة، باب تأويل قول الله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 42] 8/ 19، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 3061).¥.
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل القرظي رجلًا من النضير قتل به، وإذا قتل النضيري رجلًا من قريظة، ودي بمائة وسق من تمر، فلما بعث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة، فقالوا: ادفعوا إليه، فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزلت: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ولا يضر بأن رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب لأنه قد توبع كما في الروايات السابقة.¥.
ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث عبيد اللّه بن موسى بنحوه ¬سنن أبي داود، الديات، باب النفس بالنفس (ح 4494)، وسنن النسائي، الباب السابق 8/ 18، والمستدرك 4/ 366، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 3772).¥، وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وابن زيد وغير واحد.
وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا ¬أخرجهما الطبري وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي.¥، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، واللّه أعلم، ولهذا قال بعد ذلك: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} [المائدة: 45] إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد اللّه بن عبد اللّه والحسن البصري وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب ¬قول البراء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن مرة عنه، وقول حذيفة أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق أبي البختري عنه وأبو البختري لم يسمع من حذيفة، وقول أبي مجلز أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.¥، زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة.
وقال عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي اللّه لهذه الأمة بها ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥، رواه ابن جرير ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.¥.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة. فقال: من السحت، فقالا: وفي الحكم، قال: ذاك الكفر، ثم تلا {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥.
وقال السدي: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدًا أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: من جحد ما أنزل اللّه فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق، رواه ابن جرير ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.¥، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب.
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن زكريا، عن الشعبى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} قال: للمسلمين ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: هذا في المسلمين {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] قال: هذا في اليهود {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] قال: هذا في النصارى ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم صحة بعضه عن الشعبي.¥، وكذا رواه هشيم والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي ¬سنده صحيح.¥.
وقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ} الآية، قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥. وقال الثوري: عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق ¬أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح.¥. رواه ابن جرير.
وقال وكيع، عن سعيد المكي، عن طاوس {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: ليس بكفر ينقل عن الملة ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق وكيع به.¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ¬أخرجه الحاكم من طريق سفيان بن عيينة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 313).¥.