Tafsir for this Ayah

Surah 96 : Ayah 5

تفسير البغوي (معالم التنزيل)

{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} مِنْ أَنْوَاعِ الْهُدَى وَالْبَيَانِ. وَقِيلَ: عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. وَقِيلَ: الْإِنْسَانُ هَاهُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانُهُ: "وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ" (النِّسَاءَ -113).

تفسير ابن كثير

{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: أول ما بديء به رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبَّب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فاجأه الوحي وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال اقرأ: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} حتى بلغ {مَا لَمْ يَعْلَمْ} " قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: "زمّلوني زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: "يا خديجة ما لي؟ " وأخبرها الخبر وقال: "قد خشيت على نفسي". فقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكَلّ وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي -وهو ابن عمِّ خديجة أخي أبيها-، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت خديجة: أي ابن عمِّ أسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعًا ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أو مخرجي هم؟ " فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيما بلغنا، حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقى نفسه منه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن بذلك جأشه وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند 6/ 232)، وسنده صحيح.¥. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري ¬صحيح البخاري، بدء الوحي، باب 3 (ح 3)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (ح 160).¥، وقد تكلمنا على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ومعانيه في أول شرحنا للبخاري مستقصى، فمن أراده فهو هناك محرر ولله الحمد والمنة. فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهنَّ أول رحمة رحم الله بها العباد وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم وهو القدر الذي امتاز به أبو البشرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}. وفي الأثر: قيدوا العلم بالكتابة ¬أخرجه الحاكم من قول عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وصححه ووافقه الذهبي وزاد: وصحَّ مثله عن أنس. (المستدرك 1/ 106) وقول أنس أخرجه الخطيب البغدادي (تقييد العلم ص 70)؛ وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح 2026).¥. وفيه أيضًا: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم ¬أخرجه أبو نعيم (حلية الأولياء 10/ 15) وقال الألباني: موضوع. (السلسلة الضعيفة ح 422).¥.

التفسير الميسر

اقرأ -أيها النبي- ما أُنزل إليك من القرآن مُفْتَتِحًا باسم ربك المتفرد بالخلق، الذي خلق كل إنسان من قطعة دم غليظ أحمر. اقرأ -أيها النبي- ما أُنزل إليك، وإن ربك لكثير الإحسان واسع الجود، الذي علَّم خلقه الكتابة بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يكن يعلم، ونقله من ظلمة الجهل إلى نور العلم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}. {5} {علَّم الإنسانَ ما لمْ يعلمْ}: فإنَّه تعالى أخرجه من بطن أمِّه لا يعلم شيئاً، وجعل له السَّمع والبصر والفؤاد، ويسَّر له أسباب العلم؛ فعلَّمه القرآن، وعلَّمه الحكمة، وعلَّمه بالقلم، [الذي به تُحفظ العلوم ¬كذا في (ب) وفي (أ): «الذي به تحفظ به العلوم».¥] وتُضبط الحقوق، وتكون رسلاً للنَّاس تنوب منابَ خطابهم؛ فلله الحمد والمنَّة الذي أنعم على عباده بهذه النِّعم، التي لا يقدرون لها على جزاءٍ ولا شكورٍ، ثمَّ منَّ عليهم بالغنى وسعة الرزق.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)

<br>وقوله: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. يقولُ تعالى ذكره: علَّم الإنسان الخطَّ بالقلمِ ولم يكُنْ يَعْلَمُه، مع أشياءَ غيرِ ذلك مما علَّمه ولم يكُنْ يَعْلَمُه.<br>وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. قال: علَّم الإنسانَ خطًّا بالقلمِ.<br>