تفسير ابن كثير
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)}.
قرأ بعض القراء: "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وقرأ آخرون {مَالِكِ} وكلاهما صحيح متواتر في السبع [ويقال: "مَلِكِ" ¬في "الكشاف" (1/ 7).¥ - بكسر اللام وبإسكانها، ويقال: "مليك" أيضًا، وأشبع نافع كسرة الكاف؛ فقرأ "ملكي يوم الدين". وقد رجح كلًّا من القرائتين مرجحون من حيث المعنى، وكلاهما (صحيحة) ¬وقع في (ن): "مالك" وهو تحريف.¥ حسنة. ورجح الزمخشري ¬في (ك): "صحيح"!¥: "ملك"؛ لأنها قراءة أهل الحرمين؛ ولقوله: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16] وقوله: {قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ} [الأنعام: 73].
وحُكي عن أبي حنيفة أنه قرأ "مَلَك يوم الدين" عن أنه فعل وفاعل ومفعول وهذا شاذ غريب جدًّا" ¬ساقط من (ز) و (هـ).¥.
وقد روى أبو بكر بن أبي داود ¬في "المصاحف" (ص 93).¥ في ذلك شيئًا غريبًا حيث قال: حدثنا أبو عبد الرحمن (الأذرمي) ¬وقع في (ل) و (ن): "الأزدي"! وهو تصحيف.¥، حدثنا عبد الوهاب (عن) ¬وقع في جميع "الأصول": "ابن" وهو تصحيف.¥ عدي بن الفضل، عن أبي المطرف، عن ابن شهاب ¬وسنده ضعيف جدًّا، وهو مع إرساله أو إعضاله، فإن عدي بن الفضل ساقط، لكنه توبع تابعه عبد الوارث بن سعيد ووهيب بن خالد، وهارون الأعور ثلاثتهم عن أبي المطرف طلحة بن عبيد الله بن كريز، بفتح الكاف، عن الزهري أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقرؤون "مالك". ولم يذكر "عثمان" في رواية عبد الوارث. أخرجه أبو عمر الدوري في "جزء فيه قراءات النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (4، 5، 6) وأخرجه الدوري (8) قال: حدثنا عفان، ثنا خالد بن يزيد، عن شيخ يكنى أبا مطرف، أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأبا بكر وعمر ومعاوية قرأوا "مالك" وأول من قرأها "ملك" مروان. وأخرجه أبو داود (4000) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال معمر: وربما ذكر ابن المسيب، فساقه مثله.¥ - أنه بلغه أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية، كانوا يقرؤون {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} قال ابن شهاب: وأول من أحدث "ملك" مروان.
قلت: مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب. والله أعلم.
وقد روى من طرق ¬ومدارها على الزهري، واختلف عليه فيه اختلافًا كثيرًا، فمرة يروونه عنه عن أنس ومرة عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، ومرة عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة عنه عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وتارة يروونه عنه معضلًا أو مرسلًا، والحديث لا يصح من جميع وجوهه وقد فصلتها في "التسلية" والحمد لله.¥ متعددة أوردها مردويه أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يقرؤها {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ومالك مأخوذ من المُلْك، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)} [مريم]. وقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2)} [الناس] و"ملك" مأخوذ من الملك. كما قال تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، وقال: {قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ} [الأنعام: 73]، وقال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26)} ¬من (ن) و (هـ).¥ [الفرقان].
وتخصيص المُلْك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال (تعالى) ¬أخرجه ابن جرير (166)؛ وابن أبي حاتم (24) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس فذكره. وسنده ضعيف جدًّا، وبشر بن عمارة واهٍ. والضحاك لم يسمع من ابن عباس ومرّ الكلام عليه.¥: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)} [النبأ] وقال تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108]، وقال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)} [هود].
وقال الضحاك ¬أخرجه ابن جرير (166)؛ وابن أبي حاتم (24) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس فذكره. وسنده ضعيف جدًّا، وبشر بن عمارة واهٍ. والضحاك لم يسمع من ابن عباس ومرّ الكلام عليه.¥ عن ابن عباس: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} يقول: لا يملك أحد في ذلك اليوم معه ¬ساقط من (ك) ووقعت العبارة في (ن): "لا يملك أحد معه في ذلك. . . إلخ ".¥ حكمًا، كملكهم في الدنيا؛ قال: ويوم الدين: يوم الحساب للخلائق؛ وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، إلا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف، وهو ظاهر.
وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى أن تفسير {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} أنه القادر على إقامته، ثم شرع يضعفه.
والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم، وأن كلًّا من القائلين (بهذا) ¬في (ن): "لهذا".¥ القول وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر، ولا ينكره؛ ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا كما قال تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) ¬زيادة من (ن).¥} [الفرقان: 26].
والقول الثاني يشبه قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ} [الأنعام: 73] والله أعلم.
[والملِكُ في الحقيقة هو الله -عَزَّ وَجَلَّ-، قال الله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ. . .} [الحشر: 23].
وفي "الصحيحين" ¬أخرجه البخاري (10/ 588)؛ ومسلم (2143/ 20).¥] ¬ساقط من (ز).¥.
[عن أبي هريرة (-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-) ¬من (ن).¥ مرفوعًا: "أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك، ولا (مالك) ¬كذا وقع في "ن" ووقع في سائر "الأصول": "ملك" وإنما أثبت ما في (ن)؛ لأنها الموافقة لما في "مسلم" و"البيهقي" في كتابيه فقد رواه كلاهما عن ابن أبي شيبة بلفظ: "مالك".¥ إلا الله (تعالى) ¬من (ن).¥ ".
"وفيهما" ¬يعني: في "الصحيحين". فأخرجه البخاري (11/ 372، 13/ 367)؛ ومسلم (2787/ 23).¥ عنه عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "يقبض الله الأرض،] ¬ساقط من (ز).¥ [ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ".
وفي القرآن العظيم {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز؛ كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247] {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف: 79] {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} [المائدة: 20]. وفي "الصحيحين" ¬أخرجه البخاري (6/ 10 و 12/ 391)؛ ومسلم (1912/ 160).¥: "مثل الملوك على الأسرة".
والدين: الجزاء والحساب كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور: 25] وقال: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 53] أي: مجزيون محاسبون. وفى الحديث ¬لكنه حديث ضعيف.¥: "الكيس من دان نفسه، وعمل لما] ¬ساقط من (ز).
أخرجه الترمذي (2459) وحسنه؛ وابن ماجه (4260)؛ وأحمد (4/ 124)؛ وفي "الزهد" (ص 38)؛ وابن المبارك في "الزهد" (171)؛ والطيالسي (1122)؛ وابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (1)؛ والطبراني في "الكبير" (ج 7/ رقم 7143)؛ وفي "مسند الشاميين" (1485)؛ والحارث بن أبي أسامة في "مسنده"؛ والحاكم (1/ 57 - 4/ 251)؛ والبيهقي في "الكبرى" (3/ 369)؛ وفي "الشعب" (ج 7/ رقم 10546)؛ وفي "الآداب" (1130)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (1/ 267، 268، 8/ 174)؛ والعسكري في "الأمثال"؛ والخطيب في "تاريخه" (12/ 50)؛ والبغوي في "شرح السنة" (14/ 308، 309)؛ والقضاعي في "مسند الشهاب" (185)؛ وأبو يعلى الفراء في "الأمالي" (ج 6/ ق 41/ 1)؛ وابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص 36، 37) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس مرفوعًا وتمامه: "والعاجز من أتبع نفسه هواها، ثم تمني على الله". قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري" فرده الذهبي بقوله: "لا والله! وأبو بكر واهٍ" وقال ابن طاهر: مدار هذا الحديث عليه وهو ضعيف جدًّا، كما في "إتحاف السادة" (7/ 44)، وقال ابن عدي في "الكامل" (2/ 473): "ولأبي بكر بن أبي مريم غير ما ذكرت من الحديث والغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه الثقات، وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه". ونقل الزبيدي في "إتحاف السادة" (8/ 428) عن أبي نعيم الأصبهاني أن للحديث طريقًا آخر وذكره فعلق الزبيدي قائلًا: وكأنه نظر إلى هذا الحاكم فصححه وتعقبه الذهبي بأن ابن أبي مريم واهٍ وكذا قال ابن طاهر: إن مداره على أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف جدًّا وكأنهم لم يروا ما توبع عليه فتأمل". اهـ.¥. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [بعد الموت"؛ أي: حاسب نفسه؛ كما قال عمر ¬أخرجه الترمذي (4/ 638) معلقًا بصيغة التمريض ووصله ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، قال: قال عمر بن الخطاب فذكره وفيه: "قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم .. " وأخرجه أبو الليث السمرقندي في "تنبيه الغافلين" (ص 442، 443) من طريق سفيان به. وهذا سند رجاله ثقات لكنه منقطع بين ثابت بن الحجاج وعمر بن الخطاب فلم يدركه.¥ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-:] ¬ساقط من (ز).¥ ["حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر (على من لا تخفى عليه أعمالكم) ¬من (ن) و (هـ) و (ى).¥ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)} [الحاقة].