تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويل قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ} يا محمدُ لهؤلاء المشركين: {أَرَأَيْتُمْ} أَيُّها الناسُ، {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ}. يقولُ: ما خَلَقَ اللهُ لكم من الرزق فخَوَّلَكُموه، وذلك ما تَتَغَذَّون به مِن الأطعمةِ، {فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا}. يقولُ: فحَلَّلْتُم بعض ذلك لأنفسِكم، وحَرَّمْتُم بعضَه عليها. وذلك كتَحْريمِهم ما كانوا يُحَرِّمُونه مِن حُرُوثِهم التي كانوا يَجْعَلونها لأوثانِهم، كما وَصَفَهم اللهُ به، فقال: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} [الأنعام: 136]. ومِن الأنعامِ ما كانوا يُحَرِّمونه بالتَّبْحِيرِ والتَّسْييب، ونحوِ ذلك، مما قَدَّمناه فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا ¬ينظر ما تقدم في 9/ 26 - 30.¥.
يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: قلْ يا محمدُ: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} بأن تُحَرِّموا ما حَرَّمْتم منه {أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}، أي: تقولون الباطلَ وتَكْذِبون؟
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، [عن عليٍّ] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.¥، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن أهلَ الجاهلية كانوا يُحَرَّمون أشياءَ أَحَلَّها اللهُ من الرزقِ ¬فى م: "الثياب".¥ وغيرَها، وهو قولُ اللهِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا}. وهو هذا. فأنزَل اللهُ تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} ¬ينظر تفسير ابن كثير 4/ 211.¥ الآية [الأعراف: 32].
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ} إلى قولِه: {أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}. قال: هم أهلُ الشركِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1960 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 309 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا}. قال: الحرثُ والأنعامُ.
قال ابنُ جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: البَحائرُ والسُّيَّبُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا}. قال: في البَحِيرةِ والسَّائبةِ ¬تفسير مجاهد ص 381، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1961.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} الآية. يقولُ: كلُّ رزقٍ لم أُحَرِّمُ، حَرَّمْتُموه على أنفسِكم من نسائِكم وأموالِكم وأولادِكم، {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ} فيما حَرَّمْتُم مِن ذلك، {أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1960، 1961 من طريق سعيد وخليد عن قتادة.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا}. فَقَرَأَ حتى بَلَغَ {أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}. وقَرَأَ: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام: 139]. وقَرَأَ: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} حتى بَلَغَ {لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} [الأنعام: 138]. فقال: هذا قولُه، جَعَلَ لهم رزقًا، فجعلوا منه حرامًا وحلالًا، وحَرَّموا بعضَه ¬في ص، ت 2، ف: "بعضهم".¥، وأَحَلُّوا بعضَه. وقَرَأَ: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام: 143]. أيَّ هذين حَرَّمَ على هؤلاء الذين يقولون وأحلَّ لهؤلاء؟ {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 143]. {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} [الأنعام: 144]. إلى آخرِ الآياتِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضّحّاكَ يقولُ في قولِه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا}: هو الذى قال اللهُ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} إلى قولِه: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1961 عن أبي معاذ به.¥ [الأنعام: 136].