تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)}.
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد: يا ربِّ افْصِلْ بينى وبينَ مَن كَذَّبَني مِن مُشرِكى قومى وكفر بك، وعبد غيرك، بإحلالِ عذابك ونقْمِتك بهم. وذلك هو الحقُّ الذي أمر الله تعالى ذكره نبيه أن يسألَ ربَّه الحكم به، وهو نظير قوله جلَّ ثناؤه: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ [وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ] ¬سقط من: ص، ت 1، ف.¥} [الأعراف: 89].
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: {قَالَ رَبَّ احْكُم بِالْحَقِّ}. قال: لا يحكم بالحقِّ إلا الله، ولكن أنَّما استعجَل بذلك في الدُّنيا؛ [يسألُ ربَّه] ¬في ص، ت:1: "يسأل به"، وفى ت:2: "فسيل به"، وفى ف: "نسل به"، والمثبت موافق لما في الدر المنثور.¥ على قومه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 342 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمرٍ، عن قتادة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا شَهِد قتالًا قال: {رَبَّ احْكُم بِالْحَقِّ} ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 30 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 342 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
واختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ الأمصار: (قُلْ رَبِّ احْكُمْ) بكسرِ الباء، ووصل الألف؛ ألفِ "احكُمْ"، على وجهِ الدعاء والمسألةِ ¬روى حفص عن عاصم: (قال). وقرأ الباقون (قل). وقرأ أبو جعفر: (ربُّ). وقرأ الباقون: (ربِّ). النشر 2/ 244.¥، سوى أبي جعفر، فإنَّه ضمَّ الباء من الربِّ على وجه نداء المفردِ، وغير الضحاكِ بن مزاحمٍ، فإنَّه رُوى عنه أنَّه كان يقرأُ ذلك: (رَبِّي أَحْكَمُ) ¬وهى قراءة ابن عباس وعكرمة والجحدري وابن محيصن. البحر المحيط 6/ 345.¥ على وجه الخبر بأنَّ اللَّهَ أَحْكَمُ بالحقِّ مِن كلِّ حاكمٍ، فيُثبت الياءَ في الربِّ، ويهمرُ الألفَ مِن "أَحْكَمُ"، ويرفعُ "أحْكَمُ" على أنَّه خبرٌ للرب تبارك وتعالى.
والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا في ذلك، وَصْلُ الباءِ مِن الربِّ وكسرها بـ "احْكُمْ"، وترك قطع الألفِ مِن "احْكُمْ"، على ما عليه قرأةُ الأمصار؛ لإجماع الحجَّة من القرأة عليه، وشذوذ ما خالفه. وأما الضحاك فإنَّ في القراءةِ التي ذُكِرت عنه زيادةَ حرفٍ على خطِّ المصاحفِ، ولا ينبغى أن يُزادَ ذلك فيها مع صحة معنى القراءة بتَرك زيادته. وقد زعم بعضُهم أن معنى قوله: {رَبِّ احْكم [بِالحَقِّ}: قل: ربِّ احْكُم] ¬سقط من ت 2، ف، وفى ص، ت 1: "قل رب احكم".¥ بحكمِكَ الحَقِّ. ثم حذف "الحكمُ" الذي "الحقُّ" نعت له، وأُقيم "الحقُّ" مُقامَه، ولذلك وجهٌ، غير أنَّ الذي قُلناه أوضحُ وأَشْبَهُ بما قاله أهل التأويل؛ فلذلك اخترناه.
وقوله: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}. يقول جل ثناؤه: قل يا محمد: وربُّنا الذي يرحم عبادَه، وتَعُمُّهم نِعَمُه ¬في م: "بنعمته"، وفى ت 1، ت 2، ف: "أنعمه".¥، الذي أستَعِينُه ¬في ص: "استعنته".¥ عليكم فيما تقولون وتصفون، من قولكم لي فيما أتيتُكم به من عندِ اللَّهِ {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السَّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ" [الأنبياء: 3]. وقولكم: {افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5]. وفى كذبِكم على الله جل ثناؤه وقيلكم: {اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [الأنبياء: 26]. فإنَّه هَيِّنٌ عليه تغييرُ ¬في ت 2: "يعتبر"، وفى ت 1، ف: "بغير".¥ ذلك، وفصل ما بينى وبينكم بتعجيل العقوبة لكم على ما تصفون من ذلك.
[آخر تفسير "سورة الأنبياء" عليهم السلام] ¬في ص: "آخر تفسير سورة الأنبياء صلوات الله عليهم يتلوه تفسير سورة الحج والحمد لله رب العالمين"، وفى ت 1: "والله سبحانه وتعالى أعلم آخر تفسير سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتلوه تفسير سورة الحج إن شاء الله تعالى والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وحسبنا الله ونعم الوكيل".¥