تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا عيسى أيضًا نعمتى عليك إذ أَوْحَيْتُ إلى الحواريِّين أن آِمنوا بي وبرسولى، إذ قالوا لعيسى ابن مريمَ: هل يَسْتَطِيعُ ربُّك أن يُنَزِّلَ علينا مائدةً مِن السماءِ. فـ {إِذْ} الثانيةُ مِن صلة {أَوْحَيْتُ}.
واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}؛ فقرَأ ذلك جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين: (هل تَسْتَطِيعُ) بالتاءِ (ربَّك) ¬وهى قراءة الكسائى مِن السبعة. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 249 ونسبه أبو حيان في البحر المحيط 4/ 54 إلى عليّ ومعاذ وابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير.¥ بالنصبِ، بمعنى: هل تَسْتَطيعُ أن تَسْأَلَ ربَّك؟ وهل تَسْتَطِيعُ أن تَدْعُوَ رَبَّك؟ أو هل تَسْتَطِيعُ وتَرَى أَن تَدْعُوَه؟ وقالوا: لم يَكُنِ الحواريون شاكِّين أن الله تعالى ذكرُه قادرٌ أن يُنَزِّلَ عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تَسْتَطِيعُ أنت ذلك؟
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، [عن نافعِ بن عمرَ] ¬في النسخ: "عن نافع عن ابن عمر". والصواب ما أثبتناه، وينظر ما تقدم في 1/ 122.¥، عن ابن أبي مُلَيْكةَ قال: قالت عائشةُ: كان الحواريُّون لا يَشُكُّون أن الله قادرٌ أن يُنَزِّلَ عليهم مائدةً، ولكن قالوا: يا عيسى هل تَسْتَطِيعُ ربَّك؟ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1243 (7014) من طريق القاسم، عن عائشة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 346 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.¥
حدَّثني أحمد بن يوسفَ التَّغْلبيُّ ¬في النسخ "الثعلبى"، والمثبت هو الصواب كما تقدم.¥، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن جابرِ بن يزيدَ بن رفاعةَ، عن حسانَ ¬في م: "حيان". وينظر التاريخ الكبير 3/ 33، والجرح والتعديل 3/ 235.¥ بن مُخارِقٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قرَأَها كذلك: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ). وقال: تَسْتَطِيعُ أَن تَسْأَلَ رَبَّكَ؟ وقال: أَلا تَرَى أنهم مؤمنون ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 346 إلى المصنف وأبي عبيد.¥؟
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ: {هَلْ يَسْتَطِيعُ} بالياءِ {رَبُّكَ} ¬وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص 249.¥ بمعنى: أن يُنَزِّلَ علينا ربُّك. كما يقولُ الرجلُ لصاحبِه: أَتَسْتَطِيعُ أن تَنْهَضَ معنا في كذا؟ وهو يَعْلَمُ أنه يَسْتَطِيعُ، ولكنه إنما يُرِيدُ: أَتَنْهَضُ معنا فيه؟ وقد يَجوزُ أن يَكونَ مرادُ قارئِه كذلك: هل يَسْتَجِيبُ لك ربُّك، ويُطِيعُك أن يُنَزِّلَ علينا؟
وأولى القراءتين عندى بالصوابِ قراءةُ مِن قرَأ ذلك {هَلْ يَسْتَطِيعُ} بالياءِ ¬القراءتان كلتاهما صواب، وليست إحداهما أولى مِن الأخرى.¥، {رَبُّكَ} برفعِ "الربِّ"، بمعنى: هل يَسْتَجِيبُ لك إن سأَلْتَه ذلك، ويُطِيعُك فيه؟
وإنما قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصوابِ؛ لما بينَّا قبلُ مِن أن قولَه: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} مِن صلةِ {وَإِذْ أَوْحَيْتُ}، وأن معنى الكلامِ: وإذ أوْحَيْتُ إلى الحواريِّين أن آمنوا بي وبرسولى، إذ قَالَ الحَوَاريُّونَ يا عيسى ابنَ مريمَ هَل يَستَطِيع رَبُّكَ. فبَيِّنٌ إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكرُه قد كرِه منهم ما قالوا مِن ذلك واسْتَعْظَمه، وأمَرَهم بالتوبةِ ومُراجعةِ الإيمانِ مِن قِيلهم ذلك، والإقرارِ للَّهِ بالقدرةِ على كلِّ شيءٍ، وتصديقِ رسولِه فيما أخْبَرَهم عن ربِّهم مِن الأخبارِ، وقد قال عيسى لهم عند قيلِهم ذلك له - استعظامًا منه لما قالوا -: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. ففى استتابةِ اللهِ إياهم، ودعائِه لهم إلى الإيمان به، وبرسولِه - صلى الله عليه وسلم - عندَ قيلِهم ما قالوا مِن ذلك، واسْتِعظامِ نبيِّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كلمتهم - الدلالةُ الكافيةُ مِن غيرِها، على صحةِ القراءةِ في ذلك بالياءِ، ورفع "الربِّ"، إذ كان لا معنى في قولِهم لعيسى - لو كانوا قالوا له: هل تَسْتَطِيعُ أَن تَسْأَلَ ربَّك أن يُنَزِّلَ علينا مائدةً مِن السماءِ؟ - أن يُسْتَكْبَرَ هذا الاستكبارَ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن قولَهم ذلك له إنما استُعْظِم ¬في م: "هو استعظام".¥ منهم لأن ذلك منهم كان مسألةَ آيةٍ - فإن الآية إنما يَسْأَلُها الأنبياءَ مِن كان بها مُكَذِّبًا؛ ليَتَقَرَّرَ عنده حقيقةُ ثبوتِها وصحةُ أمرِها ¬قوله "فإن الآية إنما يسألها ..... إلخ". هو جواب الشرط في قوله: "فإن ظن ظان".¥، كما كانت مسألةُ قريشٍ نبيَّنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يُحَوِّلَ لهم الصَّفا ذهبًا، ويُفَجِّرَ فِجاجَ مكة أنهارًا، مَن سأله، مِن مشركي قومِه، وكما كانت مسألةُ صالحٍ الناقةَ مِن مُكَذِّبي قومِه، ومسألةُ شعيبٍ أن يُسْقِطَ كِسَفًا مِن السماءِ مِن كفارِ مَنْ أُرْسِل إليه ¬في م: "إليهم".¥.
[فإن كان الذين] ¬في م: "وكان الذين"، وفى ت 1: " كان الذي"، وفى س: "فإن الذي".¥ سأَلوا عيسى أن يَسْأَلَ ربَّه أن يُنَزِّلَ عليهم مائدةً مِن السماءِ، على هذا الوجهِ كانت مسألتُهم، فقد أحَلَّهم الذين قرَءوا ذلك بالتاءِ ونصبِ "الربِّ"، مَحَلًّا أعظمَ مِن المَحَلِّ الذي ظنُّوا أنهم [يَحيدون بهم] ¬في م: "نزهوا ربهم".¥ عنه. أو يكونوا سأَلوا ذلك عيسى، وهم مُوقِنون بأنه للهِ نبيٌّ مبعوثٌ، ورسولٌ مُرْسَلٌ، وأن الله تعالى على ما سأَلوا مِن ذلك قادرٌ.
فإن كانوا سأَلوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتُهم إياه ذلك على نحوِ ما يَسْأَلُ أحدهم نبيَّه إن ¬في م: "إذ".¥ كان فقيرًا، أن يَسْأَلَ له ربَّه أَن يُغْنِيَه، وإن عرَضَت به حاجةٌ أن يَسْأَلَ له ربَّه أن يَقْضِيَها، فإنْ ¬في م: "فأنى". و "إن" ههنا نافية.¥ ذلك مِن مسألِة الآيةِ في شيءٍ، بل ذلك سؤالُ ذى حاجةٍ عرَضَت له إلى ربِّه، فسأَل نبيِّه مسألةَ ربِّه أن يَقْضِيَها له.
وخبرُ اللهِ تعالى عن القوم يُنْبِيءُ بخلافِ ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى - إذ قال لهم: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} -: {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} [المائدة: 114] فقد أنبأ هذا من ¬في النسخ: "عن". وأثبتنا ما يقتضيه السياق.¥ قيلِهم، أنهم لم يكونوا يَعْلَمون أن عيسى قد صدَقَهم، ولا اطْمَأَنَّت قلوبهم إلى حقيقةِ نبوتِه، فلا بيانَ أبينُ مِن هذا الكلامِ في أن القومَ كانوا قد خالَط قلوبَهم مرضٌ وشكٌّ في دينِهم وتصديقِ رسولِهم، وأنهم سأَلوا ما سأَلوا مِن ذلك اختبارًا ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "اختيارا".¥.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ليثٍ، عن عُقَيلٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يُحَدِّثُ عن عيسى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لبني إسرائيلَ: هل لكم أن تَصوموا للَّهِ ثلاثين يومًا، ثم تَسْأَلُوه، فيُعْطِيَكم ما سأَلْتُم، فإن أجرَ العاملِ على مَن عمِل له؟ ففعَلوا، ثم قالوا: يا مُعلِّمَ الخيرِ قلتَ لنا: إن أجرَ العاملِ على مَن عَمِل له، وأمَرْتَنا أن نصومَ ثلاثين يومًا ففعَلْنا، ولم نَكُنْ نَعْمَلُ ¬في ص: "نقول". بغير نقط، وفى ت 1، ت 2، ت 3: "يقول". وفى س: "وقول".¥ لأحدٍ ثلاثين يومًا إلا أطْعَمَنا حينَ نَفْرُغُ طعامًا، فـ {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} قال عيسى: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. قالوا {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} إلى قولِه: {لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ}. قال: فأَقْبَلَت الملائكةُ تَطِيرُ بمائدة مِن السماءِ، عليها سبعةُ أحْواتٍ، وسبعةُ أرْغفةٍ، حتى وضَعَتْها بين أيديهم، فأكَل منها آخرُ الناسِ كما أكل منها أولُ
هم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 221 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1244 (7016) من طريق ليث، عن عقيل، عن الزهرى، عن ابن عباسٍ، كما أخرجه أيضا 4/ 1246 (7024) من طريق وهب بن راشد عن عقيل، عن الزهرى، عن ابن عباس مختصرا.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 348 إلى أبى الشيخ.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ}. قالوا: هل يُطِيعُك ربُّك إن سأَلْتَه؟ فأنْزَل اللهُ عليهم مائدةً مِن السماءِ، فيها جميعُ الطعامِ إلا اللحمَ، فأكَلوا منها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 346 إلى المصنف.¥.
وأما "المائدةُ"، فإنها الفاعلةُ، مِن: ماد فلانٌ القومَ يَميدُهم مَيْدًا. إذا أطْعَمَهم ومارَهم، ومنه قولُ رُؤْبة ¬ديوانه ص 40.¥:
نُهْدِى رُءُوسَ المُترفين الأَنْدادُ ... إلى أميرِ المؤمنين المُمْتَادُ
يعنى بقولِه: المُمْتادُ: المُسْتَعْطَى، فـ "المائدة" المُطْعِمةُ. سُمِّيَت الخِوانُ بذلك لأنها تُطْعِمُ الآكلَ مما عليها. والمائدُ المُدَارُ به في البحرِ، يقالُ: مادَ يَميدُ مَيْدًا.
وأما قوله: {قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. فإنه يعنى: قال عيسى للحواريين القائلين له: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ}: راقِبوا الله أَيُّها القومُ، وخافوه أن يَنْزِلَ بكم مِن اللهِ عقوبةٌ على قولكم هذا، فإن الله لا يُعجزه شيء أراده، وفى شكِّكم في قدرة الله على إنزالِ مائدةٍ مِن السماءِ كفرٌ به، فاتَّقُوا اللَّهَ أَن يُنْزِلَ بكم نقمته، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. يقولُ: إِن كنتم مُصَدِّقيَّ على ما أَتَوَعَّدُكم به مِن عقوبةِ اللهِ إياكم على قولِكم: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ}.