تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهذا كتابٌ أَنزَلْناه مُبارَكٌ؛ لِئَلَّا يقولَ المشركون مِن عَبَدة الأوثان مِن قريشٍ: إنما أُنْزِل [الكتابُ على طائفتَيْن مِن قَبْلِنَا. أو لِئَلَّا يقولوا: لو ¬سقط من: ص.¥ أَنَّا أُنزِل] ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، س، ف.¥ علينا الكتابُ كما أُنْزِل على هاتين الطائفتين مِن قبلِنا، فأُمِرْنا فيه ونُهِينا، وبُيِّن لنا فيه خطأُ ما نحن فيه مِن صوابِه، {لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ}. أَي: لَكُنا أَشدَّ اسْتِقامةً على طريقِ الحقِّ، واتباعًا للكتاب، وأحْسَنَ عملًا بما فيه مِن الطائفتين اللتين أُنْزِل عليهما الكتابُ مِن قبلِنا. يقولُ اللَّهُ: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}. يقولُ: فقد جاءكم كتابٌ بلسانِكم عربيٌّ مبينٌ، حجةٌ عليكم واضحةٌ بيِّنةٌ مِن ربِّكم، {وَهُدًى}. يقولُ: وبيانٌ للحقِّ، وفُرْقانٌ بينَ الصوابِ والخطأ، {وَرَحْمَةٌ} لمن عمِل به واتَّبعه.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}. يقولُ: قد جاءكم بينةٌ، لسانٌ عربيٌّ مبينٌ، حينَ لم تَعْرِفوا دراسةَ الطائفتَيْن، وحينَ قُلْتم: لو جاءَنا كتابٌ لكُنا أهْدَى منهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1426 (8131، 8133)، مِن طريق أحمد بن المفضل به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ}: فهذا قولُ كفارِ العربِ، {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1426 (8132) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 56 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمَن أخطأُ فِعلًا وأشدُّ عُدوانًا منكم أيُّها المشركون المكذِّبون بحُججِ اللهِ وأدلتِه، وهى آياتُه، {وَصَدَفَ عَنْهَا}. يقولُ: وأَعْرَض عنها بعدَ ما أتَتْه، فلم يُؤْمِنْ بها، ولم يُصَدِّقْ بحقيقتِها.
وأَخْرَج جلَّ ثناؤُه الخبر بقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ}. مُخْرَجَ الخبر عن الغائبِ، والمعنيُّ به المخاطَبون به مِن مشركي قريشٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: {وَصَدَفَ عَنْهَا}. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس قوله: {وَصَدَفَ عَنْهَا}. يقولُ: أَعْرَضَ عنها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1426 (8134) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 57 إلى ابن المنذر. وينظر ما تقدم تخريجه في 9/ 253.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا}: يُعْرِضون عنها، والصَّدْفُ الإعْراضُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1426 عقب الأثر (8134) معلقا، وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 365 عن مجاهد بنحوه. وينظر ما تقدم تخريجه في 9/ 253.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَصَدَفَ عَنْهَا}: أعْرَض عنها، {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}. أي: يُعْرِضون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1426 (8135) من طريق يزيد به مقتصرا على آخره، وذكر أوله ابن كثير في تفسيره 3653 وينظر ما تقدم تخريجه في 9/ 253.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَصَدَفَ عَنْهَا}: فصدَّ عنها ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1426 عقب الأثر (8134) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به، وينظر ما تقدم تخريجه في 9/ 253.¥.
وقولُه: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ}.
يقولُ: سيُثيبُ اللَّهُ الذين يُعْرِضون عن الذين يُعْرِضون عن آياته وحججه ولا يَتَدَبَّرونها، ولا يَتَعَرَّفون حقيقتَها فيُؤْمِنوا بما دلَّتْهم عليه مِن توحيدِ اللهِ، وحقيقةِ ¬في م: "حقية".¥ نبوةِ نبيِّه، وصدقِ ما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم - {سُوءَ الْعَذَابِ}. يقولُ: شديدَ العذابِ ¬في م، ف: "العقاب".¥، وذلك عذابُ النارِ التي أعَدَّها اللهُ لكفَرةِ خلقِه به، {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}. يقولُ: يَفْعَلُ اللهُ ذلك بهم جَزاءً بما كانوا يُعْرِضون عن آياتِه في الدنيا، فلا يَقْبَلون ما جاءهم به نبيِّهم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.