تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
قال موسى لهم: {أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ} مِن عِندِ الله: {أَسِحْرٌ هَذَا}؟
واختلف أهلُ العربيةِ فى سببِ دخولِ "ألفِ الاستفهامِ" في قولِه: {أَسِحْرٌ هَذَا}. فقال بعضُ نحويى البصرةِ: أُدخِلت فيه على الحكايةِ لقولِهم؛ لأنهم قالوا: {أَسِحْرٌ هَذَا}؟ فقال: أتقولون: {أَسِحْرٌ هَذَا}؟
وقال بعضُ نحويى الكوفةِ: إنهم قالوا هذا سحرٌ. ولم يقولوه بالألفِ؛ لأن أكثر ما جاء بغيرِ ألفٍ. قال: فيُقالُ: فلِمَ أُدخِلت الألفُ؟ فيُقالُ: قد يجوزُ أن تكونَ مِن قبلِهم، وهم يَعلَمون أنه سحرٌ، كما يقولُ الرجلُ للجائزةِ إذا أتَتْه: أحقٌّ هذا؟ وقد عَلِمَ أنه حقٌّ. قال: وقد يجوزُ أن تكونَ على التعجُّبِ منهم: أسحرٌ هذا؟ ما أعظَمَه!
وأولى من ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.¥ ذلك فى هذا بالصوابِ عندى، أن يكونَ المقولُ محذوفًا، ويكونَ قوله: {أَسِحْرٌ هَذَا}. مِن قيلِ موسى، مُنكِرًا على فرعونَ ومَلَئِه قولَهم للحقِّ لمَّا جاءهم: سحرٌ. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: قال موسى لهم: {أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ} - وهى الآياتُ التي أتاهم بها مِن عندِ اللهِ حجةً له على صدقِه: سحرٌ. أسحرٌ هذا الحقُّ الذي تَرَونه؟! فيكونُ السحرُ الأولُ محذوفًا اكْتفاءً بدلالةِ قولِ موسى لهم: {أَسِحْرٌ هَذَا}، على أنه مرادٌ في الكلامِ، كما قال ذو الرُّمَّةِ ¬تقدم في 1/ 344.¥:
فلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أو حينَ نصَّبَتْ ... له مِن خَذَا آذَانِها وَهُو جانِحُ
يريدُ: أو حينَ أقبلَ، ثم حُذِفَ اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، وكما قال جلَّ ثناؤُه: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} [الإسراء: 7]، والمعنى: بَعْثناهم ليسُوؤوا وجوهَكم، فترك ذلك اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، في أشباهٍ لمِا ذكرْنا كثيرةٍ، يُتعِبُ إحصَاؤُها.
وقولُه: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ}. يقولُ: ولا يَنجحُ الساحرون ولا يَبقَوْن.