تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)}.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}: وما تَدِبُّ دابَّةٌ في الأرضِ.
والدابَّةُ، الفاعلةُ مِن: دَبَّ، فهو يَدِبُّ، وهو دابٌّ، وهي دابَّةٌ - {إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}. يقولُ: إلا ومِن اللَّهِ رزقُها الذي يَصِلُ إليها، هو به متكفِّلٌ، وذلك قُوتُها وغذاؤُها، وما به عَيْشُها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}. قال: ما جاءها مِن رزقٍ فمِن اللَّهِ، وربما لم يرزقْها حتى تموتَ جوعًا، ولكن ما كان مِن رزقٍ فمِن اللَّهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2001 من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 321 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}. قال: كلُّ دابةٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2001 عن محمد بن سعد به.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}: يعني كلَّ دابةٍ، والناسُ منهم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2001 معلقًا.¥.
وكان بعضُ أهلِ العلم بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ يزعُمُ أن كلَّ آكلٍ ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "مال"، وفي م: "ماش". والمثبت من مجاز القرآن.¥ فهو دابةٌ، وأن معنى الكلامِ: وما دابةٌ في الأرضِ، وأن "مِن" زائدةٌ ¬مجاز القرآن 1/ 285.¥.
وقولُه: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا}: حيثُ تستقِرُّ فيه، وذلك مأواها الذي تَأْوِي إليه ليلًا أو نهارًا، {وَمُسْتَوْدَعَهَا}: الموضِعَ الذي يُودِعُها، إما بموتِها فيه، أو دفنِها.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ التيميِّ، عن ليثٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: {مُسْتَقَرَّهَا}: حيثُ تَأْوِي، {وَمُسْتَوْدَعَهَا}: حيثُ تموتُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 301، 302، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1356 (7686)، 6/ 2001 عن الحسن بن يحيى به دون آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 321 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ. وتقدم في 9/ 434 من وجه آخر عن ليث، عن مقسم، قال: مستقرها في الصلب حيث تأوي إليه.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا}. يقولُ: حيثُ تَأْوِي، {وَمُسْتَوْدَعَهَا}. يقولُ: إذا ماتَت ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 239 عن علي بن أبي طلحة به.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن ليثٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}. قال: المستقرُّ حيثُ تَأْوِي، والمستودَعُ حيثُ تموتُ.
وقال آخرون: {مُسْتَقَرَّهَا} في الرحمِ، {وَمُسْتَوْدَعَهَا} في الصلبِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} في الرحمِ، {وَمُسْتَوْدَعَهَا} في الصلبِ. مثلُ التي في "الأنعامِ" ¬تقدم في 9/ 439.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}: فالمستقرُّ ما كان في الرحمِ، والمستودعُ ما كان في الصلبِ ¬تقدم في 9/ 438.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا}. يقولُ: في الرحمِ، {وَمُسْتَوْدَعَهَا}: في الصلبِ ¬تقدم في 9/ 441.¥.
وقال آخرون: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودعُ حيث تموتُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي ويَعْلى وابنُ فُضَيلٍ، عن إسماعيلَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}. قال: {مُسْتَقَرَّهَا} الأرحامَ، {وَمُسْتَوْدَعَهَا} الأرضَ التي تموتُ فيها ¬تقدم في 9/ 433 عن إبراهيم.¥.
قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}: المستقرُّ الرحمُ، والمستودَعُ المكانُ الذي تموتُ فيه ¬تقدم في 9/ 433.¥.
وقال آخرون: {مُسْتَقَرَّهَا} أيامَ حياتِها، {وَمُسْتَوْدَعَهَا} حيث تموتُ فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ قولَه: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}. قال: {مُسْتَقَرَّهَا} أيامَ حياتِها، {وَمُسْتَوْدَعَهَا} حيث تموتُ، ومِن حيث تُبْعَثُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2003 من طريق عبد الرحمن به، دون أوله. وينظر البحر المحيط 5/ 204.¥.
وإنما اختَرنا القولَ الذي اختَرناه فيه؛ لأن اللَّهَ جلّ ثناؤُه أخبَر أن ما رُزِقَت الدوابُّ مِن رزقٍ فمنه، فأولى أن يَتْبَعَ ذلك أن يَعْلَمَ ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "يعلمه".¥ مَثْواها ومستقرَّها دونَ الخبرِ عن علمِه بما تَضمَّنته الأصلابُ والأرحامُ.
ويعني بقولِه: {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}: عددُ كلِّ دابةٍ، ومبلغُ أرزاقِها، وقدرُ قرارِها في مستقرِّها، ومدةُ لُبْثِها في مستودعِها، كلُّ ذلك في كتابٍ عندَ اللَّهِ مُثْبَتٌ مكتوبٌ، {مُبِينٍ}: يُبِينُ لمَن قرأه أن ذلك مثبتٌ مكتوبٌ قبلَ أن يخلقَها ويُوجِدَها.
وهذا إخبارٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه الذين كانوا يَثْنون صدورَهم ليَسْتَخْفوا منه، أنه قد عَلِمَ الأشياءَ كلَّها، وأثبَتَها في كتابٍ عندَه قبلَ أن يَخلقَها ويُوجِدَها.
يقولُ لهم تعالى ذكره: فمَن كان قد عَلِمَ ذلك منهم قبلَ أن يُوجِدَهم، فكيف يَخْفَى عليه ما تَنْطَوي عليه نفوسُهم إذا ثَنَوا به صدورَهم، واسْتَغْشَوا عليه ثيابَهم؟