تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}.
يعنى ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، ف: "يقول".¥ تعالى ذِكرُه بقولِه ¬سقط من: م.¥: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ}: غافلةٌ. يقولُ: ما يَسْتَمِعُ هؤلاءِ القوُم الذين وصَف صفتهم، هذا القرآنَ إِلَّا وهم يَلْعَبون، غافلةً عنه قلوبُهم، لا يتَدبَّرون حُكْمَه، ولا يتفَكَّرون فيما أَوْدَعه اللهُ من الحُجَجِ عليهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ}. يقولُ: غافلةً قلوبهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 314 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقولُه: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}. يقولُ: وأَسَرَّ هؤلاء الناسُ الذين اقْتَرَبتِ الساعةُ مِنهم وهم في غَفْلةٍ معرضون لاهيةً قلوبُهم - النَّجْوى بينَهم. يقولُ: وأظهروا المناجاةَ بينَهم فقالوا: هل هذا الذي يزعُمُ أَنَّه رسولٌ من اللهِ أرسَله إليكم، {إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}. يقولون: هل هو إلا إنسانٌ مِثلُكم في صورِكم وخَلْقِكم. يَعْنُون بذلك محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.
وقال: {الَّذِينَ ظَلَمُوا} فوصَفَهم بالظُّلمِ بفِعْلِهم وقِيلِهم الذي أخبرَ به عنهم في هذه الآياتِ أنَّهم يفْعَلون ويقولون؛ من الإعراضِ عن ذكرِ اللهِ، والتكذيبِ برسولِه.
ولـ {الَّذِينَ} من قولِه: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} في الإعرابِ وَجْهان؛ الخفضُ على أنَّه تابع لـ "الناسِ" في قولِه: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} والرفعُ على الردِّ ¬الرد: البدل. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص 36.¥ على الأسماء الذين في قولِه: {وَأَسَرُّوا} من ذِكْرِ "الناس"، كما قيل: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} [المائدة: 71]. وقد يحتمِلُ أن يكونَ رفعًا على الابْتداءِ، ويكونَ معناه: وأسرَّوا النَّجوى. ثم قال: هم الذين ظَلَموا.
وقولُه: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ}. يقولُ: وأَظْهَروا ¬في ص، ف: "وأظهر".¥ هذا القولُ بينَهم، وهى النَّجْوى التي أسرُّوها بينهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: أتَقْبَلون السِّحرَ، وتُصَدِّقون به وأنتم تعلمون أنَّه سحرٌ؟ يعنُون بذلك القرآنَ.
كما حدثَّني يونُسُ قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ}. قال: قاله أهلُ الكفْرِ لنبيِّهم ليما جاء به من عندِ اللهِ، زعَموا أنَّه ساحرٌ، وأن ما جاء به سحرٌ، قالوا: أتأتون السِّحرَ وأنتم تُبْصرون؟