تفسير ابن كثير
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ(87)
هذه القصة مذكورة هنا وفي سورة الصافات ¬الآيات 139 - 148.¥ وفي سورة "ن" ¬الآيات 48 - 50.¥، وذلك أن يونس بن متى - عليه السلام -، بعثه الله إلى أهل قرية نينوى، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله - عز وجل - وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها ¬جمع حمل، وهو: الخروف.¥، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)} [يونس]. وأما يونس - عليه السلام - فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141)} [الصافات] أي: وقعت عليه القرعة فقام يونس - عليه السلام - وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله سبحانه من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتًا يشق البحار حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن لا تأكل له لحمًا ولا تهشم له عظمًا، فإن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك تكون له سجنًا. وقوله: {وَذَا النُّونِ} يعني: الحوت صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} قال الضحاك لقومه: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} أي: نضيق عليه في بطن الحوت، يروى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوّي أحدهما الآخر، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.¥، واختاره ابن جرير واستشهد عليه بقوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7]. وقال عطية العوفي: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} أي: نقضي عليه ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.¥. كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول: قدر وقدّر بمعنى واحد، وقال الشاعر: فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تَقدْرَ يَكُن فلَكَ الأمر ¬استشهد به القرطبي (الجامع 11/ 332).¥ ومنه قوله تعالى: {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 12] أي: قدر. {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل ¬أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف 11/ 541)، والبستي بسند صحيح من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 383).¥، وكذا روي عن ابن عباس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقتادة ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، وفيه عنعنة ابن إسحاق، ويتقوى بسابقه، وبقية أقوال التابعين كلها مراسيل يقوّي بعضها بعضًا، وتتقوى بقول ابوقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في بطن حوت آخر في ظلمة البحر ¬قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما غالبًا ما يرويه الطبري بسند السدي الذي خلط بين طرق هذا الإسناد فترك.¥. قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ¬قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما غالبًا ما يرويه الطبري بسند السدي الذي خلط بين طرق هذا الإسناد فترك.¥. وقال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى يا رب اتخذت لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس ¬أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.¥. وقال سعيد بن أبي الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا ¬أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح من طريق عوف عن سعيد بن أبي الحسن البصري (العقوبات ص 178).¥. رواهما ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحمًا ولا تكسر له عظمًا، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًّا فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواد البحر، قال: وسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة، قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله تعالى: {وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] " رواه ابن جرير ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق.¥، ورواه البزار في مسنده من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ¬أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح 2254)، وسنده ضعيف أيضًا لعنعنة ابن إسحاق وإسقاط شيخه.¥. وروى ابن عبد الحق من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي مرفوعًا: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى، سبح لله في الظلمات" ¬في سنده عبد الله بن سلمة: صدوق تغير حفظه (التقريب ص 306)، ولعل الزيادة منه لأنه ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس بدون قوله: "سبح لله في الظلمات" (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9). . .} [طه] ح 3395).¥، وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة من حديث ابن عباس وابن مسعود وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة "ن" ¬في الآيات 48 - 50.¥. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر، أن يزيد الرقاشي قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنسًا يرفع الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يونس النبي - عليه السلام - حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللَّهم لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت هذه الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يا ربِّ صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا ربِّ، ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة، قال: نعم قالوا: يا ربِّ أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء ¬سنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.¥.