تفسير ابن كثير
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)
وقوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} أي: أخرجناه من بطن الحوت وتلك الظلمات {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} أي: إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء به عن سيد الأنبياء. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد هو:- ابن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: مررت بعثمان بن عفان - رضي الله عنه - في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في الإسلام شيء، مرتين قال: لا وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفًا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام، قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفًا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "من هذا، أبو إسحاق؟ " قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: "فمه" قلت: لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال: "نعم، دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند 3/ 65 ح 1462)، وأخرجه الحاكم من طريق إبراهيم بن محمد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 505).¥. ورواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه عن سعد به ¬سنن الترمذي، الدعوات، باب 82 (ح 3505)، والسنن الكبرى للنسائي، عمل اليوم والليلة، باب ذكر دعوة ذي النون (ح 10491).¥. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب، قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب - يعني: ابن سعد -، عن سعد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من دعا بدعاء يونس استجيب له" قال أبو سعيد: يريد به {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} ¬أخرجه الحاكم من طريق أبي خالد الأحمر به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 584)، ويشهد له سابقه.¥. وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك - وهو: ابن أبي وقاص - يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى" قال: قلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: "هي ليونس بن متى خاصة، ولجماعة المؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله - عز وجل -: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} فهو شرط من الله لمن دعاه به" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان، ويتقوى بسابقيه.¥. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي شريج، حدثنا داود بن المحبر بن قحذم المقدسي، عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن فقلت: يا أبا سعيد اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى؟ قال: ابن أخي أما تقرأ القرآن، قول الله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} إلى قوله: {الْمُؤْمِنِينَ} ابن أخي، هذا اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ¬سنده ضعيف جدًا؛ لأن داود بن المحبر متروك (التقريب ص 200).¥.