تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "يفعلون". وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. وبالتاء قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 487.¥ (88)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَى الجبالَ يا محمدُ يومَئِذٍ تَحْسَبُها قائمةً، وهى تَمرُّ.
كالذى حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً}. يقولُ: قائمةً ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2933 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 118 إلى ابن المنذر.¥.
وإنما قيل: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ}؛ لأنها تُجمَعُ، ثم تَسيرُ، فيَحْسَبُ رائيها لكثرتِها أنها واقفةٌ، وهي تَسِيرُ سيرًا حثيثًا، كما قال الجَعْدِيُّ ¬ديوانه ص 187.¥:
بأَرْعَنَ ¬الأرعن: الجيش العظيم وهو المضطرب لكثرته. اللسان (ر ع ن).¥ مثل الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ... وُقوفٌ لحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ ¬والهملجة والهملاج: حسن سير الدابة في سرعة اللسان (هملج).¥
قولُه: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}: وأَوْثَقِ خلقَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}. يقولُ: أَحْكَم كلَّ شيءٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2933، من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 118 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}. يقولُ: أَحْسَن كلَّ شيءٍ خلقه وأوْثَقه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2934، عن محمد بن سعد به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}. قال: أَتْرَصَ ¬في م: "أوثق" وأترص: أحكم. يقال: أترصه هو وترَصه وترَّصه: أحكمه وقوَّمه. والتريص: المحكم. اللسان (ت ر ص).¥ كلَّ شيءٍ وسوَّى ¬تفسير مجاهد ص 521، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2934، وأخرجه ابن أبي حاتم أيضًا في 9/ 2933 من طريق ليث، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 118 إلى الفريابي وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {أَتْقَنَ}: أَتْرَصَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ [قولَه: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}. قال: أحسنَ كلَّ شيءٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 118 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
وقولُه] ¬سقط من النسخ، والمثبت ما يستقيم به السياق، ومستفاد أيضًا من الدر المنثور.¥: (إنَّهُ خَبِيرٌ بما يفعلُون). يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ذو علمٍ وخبرةٍ بما يَفْعَلُ عبادُه مِن خيرٍ وشرٍّ، وطاعةٍ له ومعصيةٍ، وهو مُجازى جميعِهم على جميعٍ ذلك؛ على الخيرِ الخيرَ، وعلى الشرِّ الشرَّ نظيرَه.