এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ৫ : আয়াত ১৩

সূরা ৫ : আয়াত ১৩

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

অতঃপর তাদের কৃত অঙ্গীকার ভঙ্গের কারণে আমি তাদেরকে লা’নত করেছি ও তাদের হৃদয়কে কঠিন করে দিয়েছি। তারা (আল্লাহর কালামের) শব্দগুলোকে আসল অর্থ থেকে বিকৃত করতো এবং তাদেরকে যে উপদেশ দেয়া হয়েছিল, তার একাংশ তারা ভুলে গিয়েছিল। আর তুমি সবসময় তাদের অল্প সংখ্যক ছাড়া সকলকেই বিশ্বাসঘাতকতা করতে দেখতে পাবে। কাজেই তাদেরকে ক্ষমা করো এবং উপেক্ষা করো। নিশ্চয়ই আল্লাহ সৎকর্মশীলদেরকে ভালোবাসেন।

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: يا محمدُ، لا تَعْجَبَنَّ مِن هؤلاء اليهودِ الذين همُّوا أن يَبْسُطوا أيديَهم إليك وإلى أصحابِك، ونكَثوا العهدَ الذي بينَك وبينَهم؛ غَدْرًا منهم بك وبأصحابِك، فإن ذلك مِن عاداتِهم، وعاداتِ سلَفِهم، ومِن ذلك أنى أخَذْتُ ميثاقَ سلفِهم على عهدِ موسى - صلى الله عليه وسلم - على طاعتى، وبعَثْتُ منهم اثنى عشَرَ نَقيبًا، قد تُخُيِّروا مِن جميعِهم لِيتحسَّسوا ¬في ص، م، ت 1: "ليتجسسوا".¥ أخبارَ الجَبابرةِ، ووعَدْتُهم النصرَ عليهم، وأن أُورِثَهم أرضَهم وديارَهم وأموالَهم، بعدَ ما أَرَيْتُهم مِن العِبَرِ والآياتِ - بإهلاكِ فرعونَ وقومِه في البحرِ، وفلْقِ البحرِ لهم، وسائرِ العبرِ - ما أرَيْتُهم، فنقَضوا ميثاقَهم الذي واثَقونى، ونكَثوا عهدى، فلعَنْتُهم بنقضِهم ميثاقَهم، فإذا كان ذلك مِن فعلِ خيارِهم مع أياديَّ عندَهم، فلا تَسْتَنْكِرُ ¬في ص: "تستنكروا"، وفى س: "تتنكروا".¥ مثلَه مِن فعلِ أراذلِهم.
وفى الكلامِ محذوفٌ اكْتُفِى بدَلالةِ الظاهرِ عليه، وذلك أن معنى الكلامِ: فمَن كفَر بعدَ ذلك منكم فقد ضلَّ سواءَ السبيلِ، فنقَضوا الميثاقَ، فلعَنْتُهم، فبما نَقْضِهم ميثاقَهم لعنَّاهم. فاكْتُفِى بقولِه: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ}. مِن ذكرِ: فنقَضوا.
ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ}: فبنقضِهم ميثاقَهم. كما قال قتادةُ.
حدَّثنا بشرٌ ¬في النسخ: "كثير". وهو إسناد دائر.¥، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ}. يقولُ: فبنقضِهم ميثاقَهم لعَنَّاهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ}. قال: هو ميثاقٌ أَخَذَه اللَّهُ على أهلِ التوراةِ فنقَضوه ¬ينظر ما تقدم في 2/ 231، 232.¥.
وقد ذكَرْنا معنى اللعنِ في غيرِ هذا الموضعِ ¬وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 243.¥.
والهاءُ والميمُ مِن قولِه: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} عائدتان على ذكرِ "بنى إسرائيلَ" قبلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}.
اخْتَلَفَت القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهلِ مكةَ والبصرةِ والكوفةِ: {قَاسِيَةً} بالألفِ ¬تقدم في 2/ 129.¥، على تقديرِ "فاعلة"، مِن قَسْوةِ القلبِ، مِن قولِ القائلِ: قَسَا قلبُه، فهو يَقْسُو، وهو قاسٍ. وذلك إذا غلُظ واشْتَدَّ وصار يابسًا صُلْبًا، كما قال الراجزُ ¬في م، س: "قست".¥:
وقد قَسَوْتُ وقَسَا ¬¥ لِدَاتِى
فتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: فلعنَّا الذين نقضوا عهدى ولم يَفُوا بميثاقى من بنى إسرائيلَ، بنقضِهم ميثاقَهم الذي واتَقُونى {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}: غليظةً يابسةً عن الإيمانِ بى، والتوفيقِ لطاعتى، منزوعةً منها الرأفةُ والرحمةُ.
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وجعَلْنا قلوبهم قَسِيَّةً) ¬وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة ص 243.¥.
ثم اخْتَلَف الذين قرَءوا ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك معنى القسوةِ؛ لأن "فَعِيلةً" ¬في ص، ت 1، ت 2: "فعلية".¥ في الذمِّ أبْلغُ مِن "فاعلةٍ"، فاختَرْنا قراءتَها (قَسِيَّةً) على {قَاسِيَةً} لذلك.
وقال آخَرون منهم: بل معنى (قَسِيَّة) غيرُ معنى القسوةِ، وإنما القسِيَّةُ في هذا الموضعِ القلوبُ التي لم يَخْلُصْ إيمانُها باللَّهِ، ولكن يُخالِطُ إيمانَها كُفْرٌ، كالدراهمِ القَسِيَّةِ، وهى التي يُخالِطُ فضتَها غشٌّ مِن نُحاسٍ أو رَصاصٍ وغيرِ ذلك، كما قال أبو زُبَيْدٍ الطائيُّ ¬ديوانه ص 38.¥:
لها صَوَاهِلُ ¬الصواهل: جمع الصاهلة مصدر على فاعلة بمعنى الصهيل وهو الصوت. اللسان (ص هـ ل).¥ في صُمَّ السِّلَامِ كما ... صاح القَسِيَّاتُ ¬القسيات: ضرب من الزيوف أي فضته صُلبة رديئة ليست بلينة. اللسان (ق س و).¥ في أَيْدِى الصَّيارِيفِ ¬الصياريف والصيارِف، جمع الصرَّاف والصَّيْرف والصيرفى، وهو النَّقاد المُصارفة. اللسان (ص ر ف).¥
يَصِفُ بذلك وَقْعَ مَسَاحِى ¬المساحى، جمع مِسحاة وهى المجرفة من الحديد والميم زائدة لأنه من السَّحْو، الكشف والإزالة. النهاية 2/ 349.¥ الذين حفَرُوا قبرَ عثمانَ على الصخورِ، وهى السِّلامُ.
وأعْجَبُ القراءتَيْن إليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: (وجَعَلْنا قلوبَهم قَسِيَّةً). على "فَعيلةٍ"؛ لأنها أبْلَغُ في ذمِّ القومِ مِن قاسيةٍ.
وأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ تأويلُ من تأوَّله فَعيلةً ¬في ص، ت 1، ت 2: "فعلية".¥ مِن القَسْوةِ، كما قيل: نفسٌ زَكيَّةٌ وزاكيةٌ، وامرأةٌ شاهدةٌ وشهيدةٌ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه وصَف القومَ بنقْضِهم ميثاقَهم، وكفرِهم به، ولم يَصِفُهم بشيءٍ مِن الإيمانِ فتكونَ قلوبُهم مَوْصوفةً بأن إيمانَها يُخالِطُه ¬في ص، ت 1، س: "يخالطها"، وفى ت 2: "تخالطها".¥ كفرٌ، كالدَّراهمِ القَسِيَّةِ التي يُخالِطُ فضَّتَها غشٌّ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}.
يقولُ عزَّ ذكرُه: وجعَلْنا قلوبَ هؤلاء الذين نقَضُوا عهودَنا مِن بنى إسرائيلَ قسِيَّةً، مَنْزوعًا منها الخيرُ، مرفوعًا منها التوفيقُ، فلا يُؤْمِنون، ولا يَهْتَدون، فهم لنزعِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ التوفيقَ مِن قلوبِهم والإيمانَ، يُحرِّفون كلامَ ربِّهم الذي أنْزَله على نبيِّهم موسى - صلى الله عليه وسلم -، وهو التوراةُ، فيُبَدِّلونه ويَكْتُبون بأيدِيهم غيرَ الذي أنْزَلَه اللَّهُ جلَّ وعزَّ على نبيِّهم، ثم ¬في م: "و".¥ يقولون لجُهَّالِ الناسِ: هذا هو كلامُ اللَّهِ الذي أَنْزَله على نبيِّه موسى - صلى الله عليه وسلم -، والتوراةُ التي أوْحاها إليه. وهذا مِن صفةِ القرونِ التي كانت بعدَ موسى مِن اليهودِ، ممَّن أدْرَك بعضُهم عصرَ نبيِّنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ولكنَّ اللَّهَ عزَّ ذكرُه أَدْخَلَهم في عِدَادِ الذين ابْتَدَأَ الخبرَ عنهم، ممَّن أدْرَك موسى منهم، إذ كانوا مِن أبنائِهم، وعلى مِنهاجِهم في الكذبِ على اللَّهِ، والفِرْيةِ عليه، ونَقْضِ المَواثِيقِ التي أخَذَها عليهم في التوراةِ.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}. يعنى: حُدودَ اللَّهِ في التوراةِ، ويقولون: إنْ أمَرَكم محمدٌ بما أنتم عليه فاقْبَلُوه، وإن خالَفكم فاحْذَروا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى المصنف.¥.
القولُ في تأويل قولِه: {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {وَنَسُوا حَظًّا}. أي: وترَكوا نصيبًا. وهو كقوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]. أي: تركوا أَمْرَ اللَّهِ فترَكَهم اللَّهُ.
وقد مضَى بيانُ ذلك بشَواهدِه في غيرِ هذا الموضعِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في 5/ 156، 157.¥.
وبالذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}. يقولُ: ترَكوا نصيبًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى المصنف.¥.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ في قولِه: {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}. قال: ترَكوا عُرَى دينِهم ووظائفَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه التي لا تُقْبَلُ الأعمالُ إلا بها ¬سقط من: م، س.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}.
يقولُ تبارك وتعالى لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: ولا تَزالُ يا محمدُ تَطَّلِعُ مِن اليهودِ الذين أنْبَأْتُك نبأَهم - مِن نقضِهم مِيثاقى، ونكْثِهم عَهْدى، مع أياديَّ عندَهم، ونعْمتى عليهم - على مثلِ ذلك مِن الغدرِ والخيانةِ، {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [. يقولُ: إلا قليلًا منهم] ¬سقط من النسخ، ولا بد منها لتمام المعنى.¥ [لم يخونوا] ¬¥.
والخائنةُ في هذا الموضعِ الخيانةُ، وهو اسمٌ وُضِع مَوْضِعَ المصدرِ، كما قيل: خاطئةٌ. للخطيئةِ ¬في م: "للخطأة".¥، وقائلةٌ. للقَيْلولةِ.
وقولُه: {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}. استثناءٌ مِن الهاءِ والميمِ اللتين في قولِه {عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ}.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ}. قال: على خِيانةٍ وكذبٍ وفجورٍ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 186.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ}. قال: هم يهودُ، مثلُ الذي ¬في ص، ت، ت 2: "الذين".¥ همُّوا به مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ دخَل حائطَهم ¬تفسير مجاهد ص 304، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ، قال مجاهدٌ وعكرمةُ قولَه: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ}: مِن يهودَ، مثلُ الذي ¬في ص، ت 1، ت 2: "الذين".¥ همُّوا بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ دخَل عليهم.
وقال بعضُ القائلين ¬هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 158.¥: معنى ذلك: ولا تَزالُ تَطَّلِعُ على خائنٍ منهم. قال: والعربُ تَزيدُ الهاءَ في آخرِ المُذكَّرِ، كقولِهم: هو راويةٌ للشعرِ، ورجلٌ علَّامةٌ. وأنشدَ ¬نسبه في مجاز القرآن 1/ 158 إلى الكلابى، وفى إصلاح المنطق ص 266، والكامل للمبرد 1/ 359 غير منسوب.¥:
حدَّثْتَ نفسَك بالوفاءِ ولم تَكُنْ ... للغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الإِصْبَعِ
فقال: خائنةً. وهو يُخاطِبُ رجلًا.
والصواب مِن التأويلِ في ذلك القولُ الذي روَيْناه عن أهلِ التأويلِ؛ لأن اللَّهَ عنَى بهذه الآيةِ القومَ مِن يهودِ بنى النَّضيرِ الذين همُّوا بقتلِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه، إذ أتاهم رسولُ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَعِينُهم في ديةِ العامريَّين، فأطْلَعَه اللَّهُ عزَّ ذكرُه على ما قد همُّوا به، ثم قال ¬بعده في ص: "له".¥ جلَّ ثناؤُه بعدَ تعريفِه أخبارَ أوائِلهم، وإعْلامِه منهجَ أسلافِهم، وأن آخرهم على منهاجِ أولِهم في الغدرِ والخيانةِ؛ لئلا يَكْبْر فعلُهم ذلك على نبيِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال جلَّ ثناؤُه: ولا تَزالُ تَطَّلِعُ مِن اليهودِ على خيانةٍ وغدرٍ ونقضِ عهدٍ. ولم يُرِدْ أنه لا يَزالُ يَطَّلِعُ على رجلٍ منهم خائنٍ، وذلك أن الخبرَ ابْتُدِئ به عن جَماعتِهم، فقيل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11]. ثم قيل: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ}. فإذ كان الابتداءُ عن الجماعةِ، فالخَتْمُ ¬في م: "فلتختم".¥ بالجماعةِ أولى.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)}.
وهذا أمرٌ مِن اللَّهِ عزَّ ذكرُه نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالعفوِ عن هؤلاء القومِ الذين همُّوا أن يَبْسُطوا أيديَهم إليه مِن اليهودِ، يقولُ اللَّهُ جلَّ وعزَّ له: اعْفُ يا محمدُ عن هؤلاء اليهودِ الذين همُّوا بما همُّوا به مِن بَسْط أيديهم إليك وإلى أصحابِك بالقتلِ، واصْفَحْ لهم عن جُرْمِهم بتركِ التعرُّضِ لمكروهِهم، فإنى أُحِبُّ مَن أَحْسَن العفوَ والصَّفْحَ إلى مَن أساء إليه.
وكان قتادةُ يقولُ: هذه منسوخةٌ. ويقولُ: نسَخَتهَا الآيةُ في "براءةَ": {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية [التوبة: 29].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ}. قال: نسَخَتها: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 185، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص 381، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص 308، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: ولم يُؤْمَرُ يومَئِذٍ بقتالِهم، فأَمَرَه اللَّهُ عز ذكرُه أن يَعْفُوَ عنهم ويَصْفَحَ، ثم نسَخ ذلك في "براءةَ"، فقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. وهم أهلُ الكتابِ. فأمَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يُقاتِلَهم حتى يُسْلِموا أو يُقِرُّوا بالجزيةِ.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ ¬في م: "سليم". وتقدم في 4/ 357، 364.¥، قال: قرَأتُ على ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ نحوَه.
والذي قاله قتادةُ غيرُ مدفوعٍ إمكانُه، غيرَ أن الناسخَ الذي لا شكَّ فيه مِن الأمرِ هو ما كان نافيًا كلَّ معاني خلافِه الذي كان قبلَه، فأما ما كان غيرَ نافٍ جميعَه، فلا سبيلَ إلى العلم بأنه ناسخٌ إلا بخبرٍ مِن اللَّهِ جلَّ وعزَّ، أو مِن رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وليس في قولِه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} دَلالةٌ على الأمرِ بنفى معاني الصَّفْحِ والعفوِ عن اليهودِ.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان جائزًا - مع إقرارهم بالصَّغَارِ، وأدائِهم الجزيةَ بعدَ القتالِ - الأمرُ بالعفوِ عنهم في غَدرةٍ همُّوا بها، أو نَكْثةٍ عزَموا عليها، ما لم يَنْصِبُوا ¬في م: "يصيبوا".¥ حَرْبًا دونَ أداءِ الجزيةِ، ويمتنعوا من الأحكامِ اللازمتِهم ¬في م، ت 2، ت 3، س: "اللازمة منهم"، وفى ت 1: "اللازمة".¥ - لم يكنْ واجبًا أن يُحْكَمَ لقولِه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية. بأنه ناسخٌ قولَه: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৬