تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}.
يقولُ عزَّ ذكرُه: وأخَذنا من النصارى الميثاقَ على طاعتى، وأداءِ فرائضى، واتباعِ رسلى، والتصديقِ بهم، فسلَكوا في ميثاقى الذي أخَذْتُه عليهم منهاجَ الأمةِ الضالةِ من اليهودِ، فبدّلوا كذلك ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "بذلك".¥ دينَهم، ونَقَضُوه ¬في م: "نقضوا".¥ نقضَهم، وترَكوا حظَّهم من ميثاقى الذي أخَذْتُه عليهم بالوفاءِ بعهدى، وضيَّعوا أمرى.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}: نسُوا كتابَ اللهِ بين أظهرِهم، وعهدَ اللهِ الذي عهِده إليهم، وأمرَ اللهِ الذي أمَرهم به ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ عن السُّديِّ، قال: قالت [النصارى مثلَ ما قالت] ¬في ص، ت 1، ت 2: "قال".¥ اليهودُ، ونسُوا حظًّا مما ذُكِّروا به.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ}: حَرَّشنا بينَهم وأَلْقَينا. كما تُغْرِى ¬في ص، س: "يغرى".¥ الشيءَ بالشيءِ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لما ترك هؤلاء النصارى الذين أخَذتُ ميثاقَهم بالوفاءِ بعهدى، حظَّهم مما عهِدت إليهم من أمرى ونهيى، أَغْريتُ بينَهم العداوةَ والبغضاء.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ إغراءِ اللهِ بينهم العداوة والبغضاء؛ فقال بعضُهم: كان إغراؤُه بينَهم بالأهواءِ التي حدَثت بينَهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا العوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ في قولِه: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ}. قال: هذه الأهواءُ المختلِفةُ والتباغضُ، فهو الإغراءُ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (721 - تفسير)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1772) من طريق هشيم به، ولفظ ابن عبد البر: الخصومات والجدال في الدين. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى عبد بن حميد.¥.
حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن العوَّامِ بن حَوْشَبٍ، قال: سمعتُ النَّخَعيَّ يقولُ: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ}. قال: أَغْرى بعضهم ببعضٍ بخصوماتٍ، بالجدالِ في الدينِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (722 - تفسير) عن يزيد بن هارون به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى أبي عبيد وابن المنذر.¥.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هُشيمٌ، قال: أخبرنا العوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، أو ¬في م: "و".¥ التَّيْميِّ قولَه: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ}. قال: ما أُرَى الإغراءَ في هذه الآيةِ إلا الأهواءَ المختلِفةَ. وقال معاويَةُ بن قُرَّةَ: الخصوماتُ في الدينِ تُحْبِطُ الأعمالَ ¬أثر معاوية بن قرة أخرجه سعيد بن منصور في سننه (723 - تفسير)، والآجرى في الشريعة (115) من طريق هشيم به، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1773) من طريق هشيم، عن العوام قوله، وأخرجه ابن عبد البر (1780)، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد 2/ 129 من طريق العوام عن معاوية به، ووقع عنده: معاوية بن عمرو بدلا من: معاوية بن قرة.¥.
وقال آخرون: بل ذلك هو العداوةُ التي بينَهم والبغضاءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} الآية: إن القومَ لما ترَكوا كتابَ اللهِ، وعَصَوا رسلَه، وضيَّعوا فرائضَه، وعطَّلوا حدودَه، أَلْقَى بينَهم العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ بأعمالهم؛ أعمالِ السُّوءِ، ولو أخَذ القومُ كتابَ اللهِ وأمْرَه ما افْتَرقوا ولا تَباغَضوا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وأولى التأويلين في ذلك عندَنا بالحقِّ تأويلُ من قال: أَغْرَى بينَهم بالأهواءِ التي حدَثت بينَهم. كما قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ؛ لأن عداوةَ النصارى بينَهم إنما هي باختلافِهم في قولِهم في المسيحِ، وذلك أهواءٌ لا وحىٌ من اللهِ.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالهاءِ والميمِ اللتين في قولِه: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ}؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك اليهودَ والنصارى. فمعنى الكلامِ على قولِهم وتأويلِهم: فأَغْرَينا بينَ اليهودِ والنصارى لنسيانِهم حظًّا مما ذُكِّروا به.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: وقال في ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت، س.¥ النصارى أيضًا: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} فلما فعَلوا ذلك أَغْرَى اللهُ عزَّ وجلَّ بينَهم وبينَ اليهودِ العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ ¬ذكره أبو حيان في البحر المحيط 3/ 447 بنحوه.¥.
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}. قال: هم اليهودُ والنصارى. قال ابن زيدٍ: كما تُغْرِى ¬في ص، ت 1، س: "يغرى".¥ بينَ اثنين من البهائمِ.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ}. قال: اليهودُ والنصارى ¬تفسير مجاهد ص 304.¥.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانُ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هم اليهودُ والنصارى، أَغْرَى اللهُ بينَهم العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ ¬ذكره البغوي في تفسيره 3/ 32، وأبو حيان في البحر المحيط 3/ 447.¥.
وقال آخرون: بل عنَى اللهُ بذلك النصارى وحدَها. وقالوا: معنى ذلك: فَأَغْرَينا بينَ النصارى عقوبةً لها بنسيانِها حظًّا مما ذُكِّرت به. قالوا: وعليها عادت الهاءُ والميمُ في {بَيْنَهُمُ} دونَ اليهودِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ ¬في النسخ: "عبيد"، وتقدم مرارًا ينظر مثلا 1/ 209.¥ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قال: إن الله عزَّ ذكرُه تقدَّم ¬في س: "عهد".¥ إلى بني إسرائيلَ، ألا تشتروا بآيات اللهِ ثمنًا قليلًا، وعَلَّموا الحكمةَ ولا تأخُذوا عليها أجرًا، فلم يفعَلْ ذلك إلا قليلٌ منهم، فأَخَذوا الرِّشوةَ في الحكمِ، وجاوزوا ¬في ص: "حابوا"، وفى ت 1، ت 2، ت 3: "خانوا".¥ الحدودَ، فقال في اليهودِ حيث حكَموا بغيرِ ما أمَر اللهُ: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 64]. وقال في النصارى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى المصنف.¥.
وأولى التأويلين بالآيةِ عندى ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ، وهو أن المعنيَّ بالإغراءِ بينَهم النصارى في هذه الآيةِ خاصَّةً، وأن الهاءَ والميمَ عائدتان على النصارى دونَ اليهودِ؛ لأن ذكرَ الإغراءِ في خبرِ اللهِ عن النصارى بعدَ تقَضِّى خبرِه عن اليهودِ، وبعد ابتدائِه خبرَه عن النصارى، [فأن لا] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فلا".¥ يكون ذلك معنيًّا به إلا النصارى خاصَّةً، أولى من أن يكونَ معنيًّا به الحزبان جميعًا؛ لما ذكَرنا.
فإن قال قائلٌ: وما العداوةُ التي بينَ النصارى فتكونَ مخصوصةً بمعنى ذلك؟ قيل: ذلك عداوةُ النَّسْطوريَّةِ واليعقوبيَّةِ المَلِكيَّةَ ¬سقط من: م، س، وفى ت 1: "الملايكة".¥، والمَلِكيةِ ¬في س: "الملكانية".¥ النَّسْطوريةَ واليعقوبيَّةَ. وليس الذي قاله من قال: معنيٌّ بذلك إغراءُ اللهِ بينَ اليهودِ والنصارى - ببعيدٍ، غيرَ أن هذا أقربُ عندى وأشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لما ذكَرنا.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا (14)}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: اعفُ عن هؤلاء الذين همُّوا ببسطِ أيديهم إليك وإلى أصحابِك، واصْفَحْ، فإن الله من وراءِ الانتقامِ منهم، وسينبِّئُهم اللهُ عندَ ورودِهم ¬بعده في م: "الله".¥ عليه في مَعادِهم بما كانوا في الدنيا يصنَعون، من نقضِهم ميثاقَه، ونكثِهم عهدَه، وتبديلِهم كتابَه، وتحريفِهم أمرَه ونهيَه، فيُعاقبُهم على ذلك حَسَبَ استحقاقِهم.