تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}.
يقولُ عزَّ ذكرُه لجماعةِ أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنصارى، الذين كانوا في عصرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: {يَاأَهْلَ} من اليهودِ والنصارى، {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا}، يعني محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا}: وهو محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268 إلى المصنف.¥.
وقولُه: {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ}. يقول: يبيِّنُ لكم محمدٌ رسولُنا كثيرًا مما كنتم تكتُمونه الناسَ ولا تُبَيِّنُونه لهم مما في كتابِكم. وكان مما يُخْفُونه من كتابِهم فبيَّنه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - للناسِ، رجمُ الزانيَين المُحْصَنين.
وقيل: إن هذه الآيةَ نزَلت في تبيينِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلك للناسِ من إخفائِهم ذلك من كتابِهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: من كفَر بالرجمِ فقد كفَر بالقرآنِ من حيثُ لا يَحْتسِبُ. قولَه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ}. فكان الرجمُ مما أَخْفُوا ¬أخرجه النسائي في الكبرى (11139)، والحاكم 4/ 359 من طريق الحسين بن واقد به.¥.
حدثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن شَبُّويَهْ، أخبرنا عليُّ بن الحسينِ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا يزيدُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه ¬أخرجه النسائي في الكبرى (7162، 11139)، وابن حبان (4430) من طريق على بن الحسين به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 269 إلى ابن الضريس.¥.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوهاب الثقفيُّ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عكرمةَ في قولِه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ} إلى قوله: {صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. قال: إن نبيَّ اللهِ أتاه اليهودُ يسألونه عن الرجمِ، واجْتَمعوا في بيتٍ، قال: "أيُّكم أعلمُ"؟ فأشاروا إلى ابن صُورِيا، فقال: "أنت أعلمُهم"؟ قال: سَلْ عمَّا شئتَ. قال: "أنت أعلمُهم"؟ قال: إنهم ليزعُمون ذلك. قال: فناشَده بالذي أنزل التوراةَ على موسى، والذي رفَع الطورَ، وناشَده بالمواثيقِ التي أُخِذت عليهم، حتى أخَذه أَفْكَلُ ¬الأفكل، على أفْعَل: الرِّعْدة، ولا يبنى منه فعل. اللسان (ف ك ل).¥. فقال: إن نساءَنا نساءٌ حِسانٌ، فكثُر فينا القتلُ، فاخْتَصرنا أُخْصُورةً ¬المراد بالأخصورة هنا: الاختصار في الشيء، ولم نجد هذه اللفظة في المعاجم، وإنما يوجد الاختصار والخُصَيْرى، وهما بمعنى ما يراد من الأخصورة هنا. وينظر اللسان (خ ص ر).¥، فجلَدنا مائةً، وحلَقنا الرءوسَ، وخالفنا بين الرءوسِ إلى الدوابِّ - أحسَبُه قال: الإبلِ. قال: فحَكَم عليهم بالرجمِ: فأنزل اللهُ فيهم: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَ
كُمْ} الآية. وهذه الآيةَ: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 268، 269 إلى المصنف.¥ [البقرة: 76].
وقولُه: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}. يعنى بقولِه: {وَيَعْفُو}: ويتركُ أخذَكم بكثيرٍ مما كنتم تُخْفُون من كتابِكم الذي أنزله اللهُ إليكم، وهو التوراةُ، فلا تعمَلون به حتى يأمُرَه اللهُ بأخذِكم به.
القولُ في تأويلِ قولِه: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لهؤلاء الذين خاطَبهم من أهلِ الكتابِ: {قَدْ جَاءَكُمْ}
يا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ {مِنَ اللَّهِ نُورٌ}. يعنى بالنورِ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - الذي أنار اللهُ به الحقَّ، وأَظْهَر به الإسلامَ، ومَحق به الشركَ، فهو نورٌ لمن استنار به، يبيِّنُ الحقَّ، ومن إنارتِه الحقَّ تبيينُه لليهودِ كثيرًا مما كانوا يخفُون من الكتابِ.
وقولُه: {وَكِتَابٌ مُبِينٌ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قد جاءكم من اللهِ تعالى النورُ الذي أنار لكم به معالمَ الحقِّ، {وَكِتَابٌ مُبِينٌ}. يعنى كتابًا فيه بيانُ ما اخْتَلفوا فيه بينَهم من توحيدِ اللهِ، وحلالِه وحرامِه، وشرائعِ دينِه، وهو القرآنُ الذي أنزَله على نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، يبيِّنُ للناس جميعَ ما بهم الحاجةُ إليه ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ من أمر دينهم، ويوضِّحُه لهم حتى يعرِفوا حقَّه من باطلِه.