تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: قلْ يا محمدُ لأهلِ الكتابِ مِن اليهودِ والنصارى: يأهلَ الكتابِ هل تَكْرَهون منا أو تَجِدُون علينا [في شيءٍ إذ تَسْتَهْزِئون] ¬في م: "حتى تستهزءوا".¥ بدينِنا، [وإذ] ¬في م: "إذا".¥ أنتم إذا نادَيْنا إلى الصلاةِ اتَّخَذْتُم نداءَنا ذلك هُزُوًا ولعبًا، {إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ} يقولُ: إلا أن صدَّقْنا وأَقْرَرْنَا باللَّهِ فوحَّدْناه، وبما أُنْزِل إلينا مِن عندِ اللَّهِ مِن الكتابِ، وما أُنْزِل إلى أنبياءِ اللَّهِ مِن الكتبِ مِن قبلِ كتابِنا، {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} يقولُ: إلا أن أكثرَكم مُخالِفون أمْرَ اللَّهِ، خارِجون عن طاعتِه، تَكْذِبون عليه.
والعربُ تقولُ: نَقَمْتُ عليك كذا أَنْقِمُ - وبه قرَأ القَرَأَةُ مِن أهلِ الحِجازِ والعراقِ وغيرِهم - ونَقِمْتُ أَنْقَمُ، لغتان، ولا نَعْلَمُ قارئًا قرَأ بهما ¬في م: بها. ويعنى بقولِه: بهما. أي: بـ "نقَمت، أنقَم". ينظر إتحاف فضلاء البشر ص 171.¥، بمعنى: وجَدْتُ وكرِهْتُ. ومنه قولُ عبدِ اللَّهِ بن قيسِ الرُّقَيَّاتِ ¬ديوانه ص 4.¥:
ما نقَموا مِن بني أُميةَ إلا ... أنهم يَحْلُمون إن غضِبوا
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت بسببِ قومٍ مِن اليهودِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نفَرٌ مِن اليهودِ، فيهم أبو ياسرِ بنُ أخْطَبَ، ورافعُ بنُ أبي رافعٍ ¬في النسخ: "نافع"، وقد تقدم على الصواب.¥، وعازَرُ، وزيدٌ، وخالدٌ، وإزارُ بنُ أبي إزارَ، وأَشْيَعُ، فسأَلوه عمَّن يُؤْمِنُ به مِن الرسلِ، قال: "أُومِنُ باللَّهِ وما أُنْزِل إلينا، وما أُنْزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِى موسى وعيسى، وما أُوتِى النَّبيون مِن ربِّهم، لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ منهم، ونحن له مُسْلِمون". فلما ذكَر عيسى جحَدوا نبوتَه وقالوا: لا نُؤْمِنُ بَمَنْ آمَن به. فأنْزَل اللَّهُ فيهم: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} ¬تقدم تخريجه في 2/ 596.¥.
عطفًا بها ¬أي عطفا بـ "أن" التي في قوله {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}.¥ على {أَنْ} التي في قولِه: {إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ}. لأن معنى الكلامِ: هل تَنْقِمون منا إلا إيمانَنا باللَّهِ وفسقَكم.