এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ৫ : আয়াত ৬০

সূরা ৫ : আয়াত ৬০

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

(হে রাসূল! তাদেরকে) বল: ‘আমি কি তোমাদেরকে আল্লাহর কাছে এর চেয়েও নিকৃষ্ট পরিণতির সংবাদ দিবো কি? (তারা হলো মূলত এদেরই পূর্বসূরি) যাকে আল্লাহ লা‘নত দিয়েছেন, যার উপর তিনি ক্রোধান্বিত হয়েছেন এবং যাদের কাউকে তিনি (আকৃতি পরিবর্তন করে) বানর ও কাউকে শূকর বানিয়েছেন এবং (তাদের) কেউ তাগূতের(৮) উপাসনা করেছে। তারাই অবস্থানের দিক থেকে নিকৃষ্ট এবং সরল-সঠিক পথ থেকে সর্বাধিক বিচ্যুত।‘

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين اتَّخَذوا دينَكم هُزُوُا ولعبًا مِن الذين أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم والكفارِ: هل أنبِّئُكم يا معشرَ أهلِ الكتابِ بشرٍّ مِن ثوابِ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "الله".¥ ما تَنْقِمون منا مِن إيمانِنا باللَّهِ، وما أُنْزِل إلينا مِن كتابِ اللَّهِ، وما أُنْزِل مِن قبلِنا مِن كتبِه؟
[وتقديرُ "مثوبةٍ" مفعولةٌ] ¬زيادة يقتضيها السياق. وينظر مجاز القرآن 1/ 170.¥، غيرَ أن عينَ الفعلِ لما سقَطت نُقِلَت حركتُها إلى الفاءِ، وهى الثاءُ مِن "مَثُوبةٍ"، فخرَجَت مَخْرَجَ "مَقُولةٍ"، و "مَحُورةٍ" ¬في م: "محوزة". والمحورة من المحاورة، وهى الجواب.¥، و "مَضُوفةٍ" ¬المضوفة: الأمر يشفق منه ويخاف.¥،
كما قال الشاعرُ ¬هو أبو جندب الهذلي، والبيت في أشعار الهذليين 3/ 92.¥:
وكنتُ إذا جارِى دعا لمَضُوفةٍ ... أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ الساقَ مِئْزَرِى
وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسْباط، عن السديِّ: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ}. يقولُ: ثوابًا عندَ اللَّهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1164، (6560) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 295 إلى أبى الشيخ.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ}. قال: المَثُوبةُ التَّوابُ؛ مَثُوبةُ الخيرِ ومَثُوبةُ الشرِّ. وقرَأ: شرٌّ ثوابًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 29 إلى المصنف. وقوله شرثوابا. هكذا في النسخ والدر المنثور، وليس هناك آية هكذا. وأثبته الشيخ شاكر: {خَيْرٌ ثَوَابًا}. من الآية 44 من سورة الكهف.¥.
وأما {مَنْ} في قولِه: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ}. فإنه في موضعِ خفضٍ، ردًّا على قولِه: {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ}. فكأن تأويلَ الكلامِ إذ كان ذلك كذلك: قل هل أُنَبِّئُكم بشرٍّ مِن ذلك مَثُوبةً عندَ اللَّهِ بمَن لعَنه اللَّهُ.
ولو قيل: هو في موضعِ رفعٍ. لَكان صَوابًا على الاسْتِئْنافِ، بمعنى: ذلك مَن لعَنه اللَّهُ. أو: هو مَن لعَنه اللَّهُ.
ولو قيل: هو في موضعٍ نصبٍ. لم يَكُنْ فاسدًا، بمعنى: قل هل أُنَبِّئُكم مَن
لعَنه اللَّهُ، فيَجْعَلُ {أُنَبِّئُكُمْ} عاملًا ¬في ص: "علاما"، وفى م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "على ما". والمثبت ما يقتضيه السياق.¥ في {مَنْ} واقعًا عليه.
وأما معنى قولِه: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} فإنه يعنى: مَن أبْعَدَه اللَّهُ وأَسْحَقه مِن رحمتِه، {وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} يقولُ: وغضِب عليه وجعَل منهم المُسوخَ؛ القِرَدةَ والخَنازيرَ، غضَبًا منه عليهم وسُخْطًا، فعجَّل لهم الخِزْيَ والنَّكالَ في الدنيا.
وأما سببُ مَسْخِ اللَّهِ مَن مسَخ منهم قِرَدةً، فقد ذكَرْنا بعضَه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وسنَذْكُرُ بقيتَه إن شاء اللَّهُ في مكانٍ غيرِ هذا ¬ينظر ما تقدم في 2/ 59 - 65، وما سيأتي في 10/ 512 وما بعدها.¥.
وأما سببُ مَسْخِ اللَّهِ مَن مسَخ منهم خَنازيرَ، فإنه كان فيما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرَ ¬في النسخ: "عمرو". وينظر تهذيب الكمال 21/ 491.¥ بن كَثيرِ بن أفْلَحَ مولى أبى أيوبَ الأنْصاريِّ، قال: حُدِّثْتُ أن المسخَ في بنى إسرائيلَ مِن الخنازيرِ كان أن امرأةً مِن بني إسرائيلَ كانت في قريةٍ مِن قُرى بني إسرائيلَ، وكان فيها مَلِكُ بني إسرائيلَ، وكانوا قد اسْتَجْمَعوا على الهَلَكةِ، إلا أن تلك المرأةَ كانت على بقيةٍ مِن الإسلامِ مُتَمَسِّكةً به، فجعَلت تَدْعُو إلى اللَّهِ حتى اجْتَمَع إليها ناسٌ فتابَعوها على أمْرِها، قالت لهم: إنه لابدَّ لكم مِن أن تُجاهِدوا عن دينِ اللَّهِ، وأن تُنادُوا قومَكم بذلك، فاخْرُجوا فإنى خارجةٌ. فخرَجَت وخرَج إليها ذلك المَلِكُ في الناسِ، فقتَل أصحابَها جميعًا، وانْفَلَتَت مِن بينِهم. قال: ودَعَت إِلى اللَّهِ حتى تَجَمَّعَ الناسُ إليها، حتى إذا رضِيَت منهم أمَرَتْهم بالخروجِ، فخرَجوا وخرَجَت معهم، وأُصِيبوا جميعًا وانْفَلَتَت مِن بينِهم. ثم دَعَت إلى اللَّهِ، حتى إذا اجْتَمَع إليها رجالٌ، واسْتَجابوا لها، أمَرَتُهم بالخروجِ، فخرَجوا وخرَجَت، فأ
ُصِيبوا جميعًا، وانْفَلَتَت مِن بينِهم، فرجَعَت وقد أيِسَت، وهى تقولُ: سبحانَ اللَّهِ لو كان لهذا الدينِ وليٌّ وناصرٌ لقد أظْهَره بعدُ. قال: فباتَت مَحْزونةً، وأصْبَح أهلُ القريةِ يَسْعَوْن فِي نَواحِيهَا خَنازيرَ، وقد مسَخَهم اللَّهُ في ليلتِهم تلك، فقالت ¬في ص، ت 1، س: "قال تقول".¥ حينَ أصْبَحَت ورأَت ما رأَت: اليومَ أَعْلَمُ أن اللَّهَ قد أعَزَّ دينَه وأمر دينَه. قال: فما كان مَسْخُ الخنازيرِ في بني إسرائيلَ إلا على يدَىْ تلك المرأةِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 295 إلى المصنف.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ}. قال: مُسِخَت مِن يهودَ ¬تفسير مجاهد ص 311، 312، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1164، 1165 (6561)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 295 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
وللمسخِ سببٌ فيما ذُكِر غيرُ الذي ذكَرْنا، سنَذْكُرُه في موضعِه إن شاء اللَّهُ ¬ينظر ما سيأتي في 10/ 512 وما بعدها.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)}.
اخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته قرَأةُ الحجازِ والشامِ والبصرةِ وبعضُ الكوفِيِّين: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ¬وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبي عمرو وابن عامر والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 246.¥. بمعنى: وجعَل منهم القِردةَ والخَنازيرَ ومَن عبَد الطاغوتَ. بمعنى "عابدٍ"، فجعَل {عَبَدَ} فعلًا ماضيًا مِن صِلَةِ المُضْمَرِ، ونصَب {الطَّاغُوتَ} بوقوعِ {وَعَبَدَ} عليه.
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن الكوفيِّين: (وعَبْدَ الطاغوتِ) ¬وهى قراءة حمزة كما سيذكر المصنف. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 246.¥. بفتحِ العينِ مِن "عَبُدَ" وضَمِّ بائِها، وخفضِ "الطاغوتِ" بإضافةِ "عَبُد" إليه، وعنَوْا بذلك: وخَدَمَ الطاغوتِ.
حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنى حمزةُ، عن الأعمشِ، عن يحيى بن وَثَّابِ أنه قرَأ: (وعَبْدَ الطاغوتِ). يقولُ: خدَمَ. قال عبدُ الرحمنِ: وكان حمزةُ كذلك يَقْرَؤُها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 295 إلى المصنف.¥.
حدَّثني ابن وَكيع وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، عن الأَعْمَشِ أنه كان يَقْرَؤُها كذلك ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 135 عن المصنف.¥.
وكان الفَرَّاءُ يقولُ ¬معاني القرآن للفراء 1/ 314، 315.¥: إِن يَكُنْ فيه لغةٌ مثلَ حَذِرٍ وحَذُرٍ، وعجِلٍ وعَجُلٍ، فهو وجهٌ، واللَّهُ أعلمُ، وإلا فإنه ¬في م: "فإن".¥ أراد قولَ الشاعرِ ¬هو أوس بن حجر، والبيت في ديوانه ص 21.¥:
أبَنِي لُبَيْنَى إِن أمَّكمُ ... أَمَةٌ وإن أباكمُ عَبُدُ
[قال: و] ¬في م: "فإن".¥ هذا مِن ضرورةِ الشعرِ، وهذا يَجوزُ في الشعرِ لضرورةِ القَوافي، وأما في القراءةِ فلا.
وقرَأ ذلك آخرون: (وعُبُدَ الطاغوتِ) ذُكِر ذلك عن الأعمشِ ¬البحر المحيط 3/ 519، والقراءة شاذة.¥. وكأن مَن قرَأ ذلك كذلك أراد جمعَ الجمعِ مِن العبدِ، كأنه جمَع العبدَ عبيدًا، ثم جمَع العبيدَ عُبُدًا، مثلَ ثِمارٍ وثُمُرٍ.
وذُكِر عن أبي جعفرٍ القارئَ أنه كان يَقْرَؤُه: (وعُبِدَ الطاغوتُ).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: كان أبو جعفرٍ النَّحْوِيُّ يَقْرَؤُها: (وعُبِدَ الطاغوتُ) كما تقولُ: ضُرِب عبدُ اللَّهِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 295 إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير 3/ 135.¥.
قال أبو جعفرٍ: وهذه قراءةٌ لا معنَى لها؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما ابْتَدَأَ الخبرَ بذمِّ أقوامٍ، فكان فيما ذمَّهم به عِبادتُهم الطاغوتَ، وأما الخبرُ عن أن الطاغوتَ قد عُبِد، فليس مِن نوع الخبرِ الذي ابْتَدَأ به الآيةَ، ولا مِن جنسِ ما ختَمَها به، فيَكونَ له وجهٌ يُوَجَّهُ إليه في ¬في م: "من".¥ الصحةِ.
وذُكِر أن بُرَيْدَةَ الأَسْلميَّ كان يَقْرَؤُه: (وعابِدَ الطاغوتِ) ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "الشيطان". والقراءة شاذة لا تجوز القراءة بها.¥.
حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شيخٌ بَصْريٌّ، أن بُرَيْدَةَ كان يَقْرَؤُه كذلك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 295 إلى المصنف، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 40.¥.
ولو قُرِئ ذلك: (وعَبَدَ الطاغوتِ). بالكسرِ، كان له مخرجٌ في العربيةِ صحيحٌ، وإن لم أَسْتَجِزِ اليومَ القراءةَ بها؛ إذ كانت قراءةُ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ بخلافِها، ووجهُ جَوازِها في العربيةِ أن يَكونَ مُرادًا بها: وعَبَدةُ الطاغوتِ. ثم حُذِفَت الهاءُ مِن
"العبدةِ" للإضافة، كما قال الراجزُ ¬الرجز في معاني القرآن للفراء 1/ 314، وتاج العروس (صرخد) غير منسوب فيهما.¥:
قام وُلَاها فَسَقَوْه صَرْخَدَا ¬الصرخد: اسم للخمر. التاج (صرخد).¥
يُرِيدُ: قام وُلاتُها. فحذَف التاءَ مِن "وُلاتِها" للإضافةِ.
وأما قراءةُ القَرَأةِ فبأحدِ الوجهين اللذين بدَأْتُ بذكرِهما، وهو {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} بنصبِ "الطاغوتِ" وإعمالِ "عبَد" فيه، وتوجيهِ "عبَد" إلى أنه فعلٌ ماضٍ مِن العبادةِ. والآخَرُ: (وعَبُدَ الطاغوتِ) على مثالِ "فَعُل"، وخفضِ "الطاغوتِ" بإضافةِ "عَبُد" إليه.
فإذ كانت قراءةُ القرأةِ بأحدِ هذين الوجهين دونَ غيرِهما مِن الأوجهِ التي هي أصَحُّ مخرجًا في العربيةِ منهما، فأَوْلاهما بالصوابِ مِن القراءةِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}. بمعنى: وجعَل منهم القردَةَ والخنازيرَ، ومَن عبَد الطاغوتَ؛ لأنه ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أبيِّ بن كعبٍ وابنِ مسعودٍ: (وجعَل منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ وعبَدُوا الطاغوتَ) ¬مختصر الشواذ لابن خالويه ص 40، وتفسير القرطبي 6/ 235، والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.¥. بمعنى: والذين عبَدوا الطاغوتَ. ففي ذلك دليلٌ واضحٌ على صحةِ المعنى الذي ذكَرْنا مِن أنه مرادٌ به: ومَن عبَد الطاغوتَ. وأن النصبَ بـ "الطاغوتِ" أوْلى على ما وصَفْتُ في القراءةِ؛ لإعمالِ "عبَد" فيه؛ إذ كان الوجهُ الآخرُ غيرَ مُسْتَفِيضٍ في العربِ ولا معروفٍ في كلامِها.
على أن أهلَ العربيةِ يَسْتَنْكِرون إعمالَ شيءٍ في "مَن" و "الذي" المُضْمَرَيْن مع "مِن" و "في" إذا كفَتْ "مِن" أو "في" منهما، ويَسْتَقْبِحونه، حتى كان بعضُهم يُحِيلُ ذلك ولا يُجِيزُه، وكان الذي يُحِيلُ ذلك يَقْرَؤُه: (وعَبْدَ الطاغوتِ). فهو على قولِه خطأٌ ولحنٌ غيرُ جائزٍ.
وكان آخَرون منهم يَسْتَجِيزُونه على قُبْحٍ، فالواجبُ على قولِهم أن تَكونَ القراءةُ بذلك قَبيحةً، وهم مع استقباحِهم ذلكَ في الكلامِ قد اخْتاروا القراءةَ بها، وإعمالَ "وجعَل" وجعَل" في "مَن"، وهي محذوفةٌ مع "مِن".
ولو كنا نَسْتَجيرُ مخالفةَ الجماعةِ في شيءٍ مما جاءَت به مُجْمِعَةً عليه، لَاخْتَرْنا القراءةَ بغيرِ هاتين القراءتين، غيرَ أن ما جاء به المسلمون مُسْتَفِيضًا فيهم ¬في م: "فهم".¥ لا يَتَناكَرونه، فلا نَسْتَجِيزُ الخروجَ منه إلى غيرِه، فلذلك لم نَسْتَجِزِ القراءةَ بخلافِ إحدى القراءتَيْن اللتين ذكَرْنا أنهم لم يَعْدُوهما.
وإذ كانت القراءةُ عندَنا ما ذكْرَنا، فتأويلُ الآيةِ: قل هل أُنَبِّئُكم بشرٍّ مِن ذلك مَثُوبةً عندَ اللَّهِ، مَن لعَنه اللَّهُ وغضِب عليه، وجعَل منهم القردةَ والخنازيرَ، ومَن عبَدَ الطاغوتَ.
وقد بيَّنا معنى "الطاغوتِ" فيما مضَى بشواهدِه مِن الرواياتِ وغيرِها، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه ههنا ¬ينظر ما تقدم في 4/ 555 وما بعدها.¥.
وأما قولُه: {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}. فإنه يعنى بقولِه: {أُولَئِكَ}: هؤلاء الذين ذكَرَهم تعالى ذكرُه، وهم الذين وصَف صفتَهم، فقال: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}. وكلُّ ذلك مِن صفةِ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم شرٌّ مكانًا في عاجلِ الدنيا والآخرةِ عندَ اللَّهِ ممَّن نقَمْتُم عليهم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "عليه".¥ يا معشرَ اليهودِ إيمانَهم باللَّهِ، وبما أُنْزِل إليهم مِن عندِ اللَّهِ مِن الكتابِ، وبما أُنْزِل إلى مِن قبلَهم مِن الأنْبياءِ، {وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنتم مع ذلك أيُّها اليهودُ أشدُّ أخْذًا على غيرِ الطريقِ القَويمِ، وأجْورُ عن سبيلِ الرُّشْدِ والقَصْدِ منهم.
قال أبو جعفرٍ: وهذا مِن لَحْنِ ¬اللحن: التعريض والإيماء، وقد لحن له لحنا: قال له قولًا يفهمه عنه ويخفى على غيره. التاج (ل ح ن).¥ الكلامِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما قصَد بهذا الخبرِ إلى إخبارِ اليهودِ الذين وصَف صفتَهم في الآياتِ قبلَ هذه بقبيحِ فِعالِهم، وذَميمِ أخْلاقِهم، واسْتيجابِهم سُخْطَه بكثرةِ ذنوبِهم ومَعاصِيهم، حتى مسَخ بعضَهم قردةً وبعضَهم خنازيرَ، خِطابًا منه لهم بذلك، تَعْريضًا بالجميلِ مِن الخطابِ، ولَحَن لهم بما عرَفوا معناه مِن الكلامِ بأحسنِ اللحنِ، وعلَّم نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - مِن الأدبِ أحسنَه، فقال له: قُلْ لهم يا محمدُ: أهؤلاء المؤمنون باللَّهِ وبكتبِه الذين تَسْتَهْزِئون منهم شرٌّ أم مَن لعَنه اللَّهُ؟ وهو يعنى المَقُولَ ذلك لهم.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৬