تفسير ابن كثير
{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)}.
يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، حَدَّثَنَا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل الله عليه فقد كذب [واللّه] ¬كذا في صحيح البخاري، وفي النسخ الثلاث بلفظ: "وهو".¥ يقول: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الآية ¬أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] ح 4612).¥، هكذا رواه ها هنا مختصرًا وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولًا، وكذا رواه مسلم في كتابي الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طرق عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عنها - رضي الله عنها - ¬صحيح مسلم، الإيمان، باب معنى قول الله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13)} [النجم: 13] (ح 177)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأنعام (ح 3068)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... } ح 11147).¥.
وفي الصحيحين عنها أيضًا أنها قالت: لو كان محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كاتمًا شيئًا من القرآن لكتم هذه الآية {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} ¬أخرجه مسلم من حديث عائشة (المصدر السابق بعد ح 177)، وأخرجه البخاري من حديث أنس بنحوه، الصحيح، التوحيد، باب {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] (ح 7420).¥ [الأحزاب: 37].
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور الرمادي: حَدَّثَنَا سعيد بن سليمان، حَدَّثَنَا عباد عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنا عند ابن عباس، فجاء رجل فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبروننا أن عندكم شيئًا لم يبده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس فقال ابن عَبَّاس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} واللّه ما ورثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوداء في بيضاء ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وجود إسناده الحافظ ابن كثير ثم أردف له شاهدًا من البخاري كما يلي.¥، وهذا إسناد جيد.
وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ¬صحيح البخاري، العلم، باب كتابة العلم (ح 111).¥.
وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم ¬أخرجه البخاري معلقًا ووصله الحافظ ابن حجر بسنده عن الزهري ثم أردفه برواية ابن أبي عاصم من طريق الأوزاعي عن الزهري (تغليق التعليق 5/ 365 - 366).¥.
وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفًا، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته يومئذٍ: "أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول: "اللهم هل بلغت" اللهم هل بلغت؟ ¬صحيح مسلم، الحج، باب حجة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - (ح 1218).¥.
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن نمير، حَدَّثَنَا فضيل - يعني ابن غزوان -، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع. "يا أيها الناس؛ أي: يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: "فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا" ثم أعادها مرارًا، ثم رفع أصبعه إلى السماء فقال: "اللهم هل بلغت؟ "مرارًا. قال: يقول ابن عباس: واللّه لوصية إلى ربه عَزَّ وَجَلَّ، ثم قال: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 1/ 235)، وسنده صحيح.¥ وقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه ¬صحيح البخاري، الحج، باب الخطبة أيام منى (ح 1739).¥.
وقوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} يعني: وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}؛ أي: وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} يعني: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.¥.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا [قبيضة بن عقبة] ¬كذا في (حم) و (مح) وفي الأصل: "سعبة بن عتبة" وهو تصحيف.¥، حَدَّثَنَا سفيان، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} قال: يا ربِّ، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليّ؟ فنزلت {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ سفيان الثوري، وإرسال مجاهد.¥ ورواه ابن جرير من طريق سفيان وهو الثوري به ¬أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف كسابقه.¥.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أي: بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك، وقد كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل نزول هذه الآية يُحرس، كما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا يحيى قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث، أن عائشة - رضي الله عنها - كانت تحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت ما شأنك يا رسول الله؟ قال: "ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسنى الليلة" قالت: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السلاح، فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: "ما جاء بك؟ " قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نومه ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 6/ 140)، وسنده صحيح.¥، أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به ¬صحيح البخاري، الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله (ح 2885) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، فصل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - (ح 2410).¥، وفي لفظ: سهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة مقدمه المدينة يعني على إثر هجرته بعد دخوله بعائشة - رضي الله عنها -، وكان ذلك في سنة ثنتين منها ¬المصدر السابق في صحيح مسلم.¥.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا إبراهيم بن مرزوق البصري، نزيل مصر، حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا الحارث بن عبيد - يعني: أبا قدامة -، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يُحرس حتَّى نزلت هذه الآية {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} قالت: فأخرج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - رأسه من القبة وقال: "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله - عَزَّ وَجَلَّ - " ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الحارث بن عبيد صدوق يخطئ كما في التقريب، ولكن له شواهد كثيرة لاحقة فسنده حسن، وقد صححه بعض النقاد كما يلي.¥.
وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، وعن نصر بن علي الجهضمي، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم به، ثم قال: وهذا حديث غريب، وهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه من طريق مسلم بن إبراهيم به، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به، ثم قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا عن الجريري عن ابن شقيق، قال: كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يُحرس حتَّى نزلت هذه الآية، ولم يذكر عائشة ¬سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المائدة (ح 3046)، وتفسير الطبري والمستدرك 2/ 31 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح 2440).¥.
قلت: هكذا رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن علية، وابن مردويه من طريق وهيب، كلاهما عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق مرسلًا ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهذا المرسل يتقوى بسابقه ولاحقه.¥، وقد روى هذا مرسلًا عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي، رواهما ابن جرير ¬أخرجهما الطبري وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخَر، ومع سابقهما يقوي بعضهم بعضًا.¥، والربيع بن أنس، رواه ابن مردويه، ثم قال: حَدَّثَنَا سليمان بن أحمد، حَدَّثَنَا أحمد بن رشدين المصري، حَدَّثَنَا خالد بن عبد السلام الصدفي، حَدَّثَنَا الفضل بن المختار، عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل. حتَّى نزلت: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فترك الحرس ¬في سنده الفضل بن المختار ضعفه الحافظ ابن حجر (الإصابة 7/ 8)، ويشهد له سابقه.¥.
حَدَّثَنَا سليمان بن أحمد، حَدَّثَنَا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حَدَّثَنَا كردوس بن محمد الواسطي، حَدَّثَنَا مُعلى بن عبد الرحمن، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحرس ¬سنده ضعيف جدًّا لأن معلى بن عبد الرحمن وهو الواسطي متهم بالوضع وقد رمي بالرفض (التقريب ص 541).¥.
حَدَّثَنَا علي بن أبي حامد المديني، حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن سعيد، حَدَّثَنَا محمد بن مفضل بن إبراهيم الأشعري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن معاوية بن عمار، حَدَّثَنَا أبي قال: سمعت أبا الزبير المكي يحدث عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتَّى نزلت {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فذهب ليبعث معه، فقال: "يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث" ¬ضعفه الحافظ ابن كثير، وبيّن نكارته.¥ وهذا حديث غريب وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية.
ثم قال: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن يحيى، حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا عبد الحميد الحماني، عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرس فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالًا من بني هاشم يحرسونه حتَّى نزلت عليه هذه الآية {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: "إن الله قد عصمني من الجن والإنس" ¬في سنده النضر وهو ابن عبد الرحمن ذكره الهيثمي باسمه واسم أبيه وبيّن أنه ضعيف (المجمع 7/ 20) بل هو متروك (كما في التقريب ص 562).¥، ورواه الطبراني ¬المعجم الكبير 11/ 261 (ح 11663) وسنده ضعيف جدًّا بسبب النضر.¥ عن يعقوب بن غيلان العماني، عن أبي كريب به.
وهذا أيضًا حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، واللّه أعلم، ومن عصمة الله لرسوله، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب، نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها، منعوه من الأحمر والأسود، وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذكرها، فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة:
فقال أبو جعفر بن جرير: حَدَّثَنَا الحارث، حَدَّثَنَا عبد العزيز، حَدَّثَنَا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، وغيره، قالوا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل منزلًا اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال: "الله عَزَّ وَجَلَّ" فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه، وضرب برأسه الشجرة حتَّى انتثر دماغه، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أبي معشر وهو نجيح السندي: ضعيف (التقريب ص 559) وقد أرسله محمد بن كعب.¥.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، حَدَّثَنَا موسى بن عبيدة، حدثني زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال غورث بن الحارث من بني النجار: لأقتلن محمدًا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه، قتلته به، قال: فأتاه. فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشيمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتَّى سقط السيف من يده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حال الله بينك وبين ما تريد"، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب موسى بن عبيدة، ولكن أصل القصة في صحيح البخاري، المغازي باب غزوة ذات الرقاع (ح 4136).¥. وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح.
وقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا أبو عمرو بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الوهاب، حَدَّثَنَا آدم، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الله يمنعني منك ضع السيف" فوضعه، فأنزل الله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} وكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به ¬أخرجه ابن حبان من طريق حماد به (موارد الظمآن ص 340 ح 1739) ويشهد له سابقه في صحيح البخاري.¥.
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، سمعت أبا إسرائيل - يعني الجشمي -، سمعت جعدة - هو ابن خالد بن الصمة الجشمي - رضي الله عنه - -، قال: سمعت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ورأى رجلًا سمينًا، فجعل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يومئ إلى بطنه بيده ويقول: "لو كان هذا في غير هذا، لكان خيرًا لك" قال: وأتي النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: "لم ترع ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 471)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير أبي إسرائيل الجشمي وهو ثقة (مجمع الزوائد 8/ 226)، وأخرجه النسائي من طريق شعبة به (السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة، باب ما يقول للجائف ح 10903) وصححه الحافظ ابن حجر (تهذيب التهذيب 2/ 81)، وأخرجه الحاكم من طريق شعبة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 4/ 121).¥.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} أي: بلغ أنت واللّه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272] وقال: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40].