تفسير ابن كثير
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)}.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} قال ابن عَبَّاس وغيره: هو القرآن ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: الفرقان.¥، {لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا محالة.
وقوله تعالى: {لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} يعني: بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ} يعني: لأرسل السماء عليهم مدرارًا، {وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} يعني: يخرج من الأرض بركاتها ¬أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.¥. وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري أيضًا بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه أيضًا بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. وقول سعيد بن جبير ومن معه ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)} [الأعراف].
وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)} [الروم] وقال بعضهم معناه: {لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} يعني: من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء.
وقال ابن جرير: قال بعضهم: معناه لكانوا في الخير كما يقول القائل: هو في الخير من فرقه إلى قدمه ¬ذكره الطبري بنحوه.¥، ثم ردّ هذا القول لمخالفته أقوال السلف.
وقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} حديث علقمة، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يوشك أن يرفع العلم" فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال: "ثكلتك أمك يا ابن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله" ثم قرأ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} هكذا أورده ابن أبي حاتم معلقًا من أول إسناده مرسلًا في آخره ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف ويتقوى بما يليه:¥. وقد رواه الإمام أحمد بن حنبل متصلًا موصولًا، فقال: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد أنه قال: ذكر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، فقال: "وذاك عند ذهاب العلم" قال: قلنا: يا سول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرؤونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: "ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 29/ 442 ح 17919) وصحح سنده محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق سالم بن أبي الجعد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 3/ 590).¥ هكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بإسناده نحوه ¬سنن ابن ماجة، الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم ح (4048) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة ح (3272)، وكذا الحافظ ابن كثير.¥، وهذا إسناد صحيح.
وقوله تعالى: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} كقوله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)} [الأعراف: 159] وكقوله عن أتباع عيسى: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27] فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} الآية [فاطر: 32، 33] والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأُمة كلهم يدخلون الجنة.
وقد قال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا أحمد بن يونس الضبي، حَدَّثَنَا عاصم بن عدي، حَدَّثَنَا أبو معشر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "تفرقت أُمة موسى على إحدى وسبعين ملة: سبعون منها في النار، وواحدة في الجنة، وتفرقت أُمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة: واحدة في الجنة، وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أُمتي على الفرقتين جميعًا واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار" قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "الجماعات الجماعات". قال يعقوب بن يزيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا فيه قرآنًا، قال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)} إلى قوله تعالى: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} وتلا أيضًا قوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)} [الأعراف: 181] يعني: أُمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه الآجري (الشريعة ص 16)، وأبو يعلى (المسند 6/ 340 ح 3668)، كلاهما من طريق أبي معشر به قال الهيثمي وفيه أبو معشر نجيح فيه ضعف (مجمع الزوائد 7/ 260).¥. وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه وبهذا السياق، وحديث افتراق الأُمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر ولله الحمد والمنة.