تفسير ابن كثير
{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)}
يقول تعالى مبينًا أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها هؤلاء المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزؤوها فجعلوا منها حرامًا وحلالًا، فقال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ}.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {مَعْرُوشَاتٍ} مسموكات، وفي رواية المعروشات ما عرش الناس، {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} ما خرج في البر والجبال من الثمرات ¬أخرجه الطبري في رواية واحدة بسند ثابت من طريق علي به.¥.
وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: {مَعْرُوشَاتٍ} ما عرش من الكرم {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} ما لم يعرش من الكرم ¬أخرجه الطبري من طريق الخراساني به، وسنده ضعيف لأن الخراساني لم يسمع ابن عباس وأخرجه البخاري معلقًا (فتح الباري 8/ 286).¥. وكذا قال السدي ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥.
وقال ابن جريج {مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}، قال: متشابهًا في المنظر وغير متشابه في الطعم ¬أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.¥.
وقال محمد بن كعب: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} قال: من رطبه وعنبه ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب ومعناه صحيح.¥.
وقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال ابن جرير: قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة، حدثنا عمرو، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: الزكاة المفروضة ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق يزيد بن درهم به، ويزيد فيه مقال (الجرح 9/ 260) وله شواهد لاحقة يتقوى بها.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} يعني: الزكاة المفروضة يوم يُكال ويُعلم كيله ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي به.¥. وكذا قال سعيد بن المسيب.
وقال العوفي، عن ابن عباس: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وذلك أن الرجل كان إذا زرع، فكان يوم حصاده لم يخرج مما حصد شيئًا، فقال الله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وذلك أن يعلم ما كيله وحقه من كل عشرة واحدًا، وما يلقط الناس من سنبله ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي عن ابن عباس بنحوه.¥، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من كل جاذّ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين ¬المسند 3/ 359 وسنن أبي داود، الزكاة، باب حقوق المال (ح 1662) وسنده حسن وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1464).¥. وهذا إسناد جيد قوي.
وقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج: هي الزكاة ¬أخرجه هذه الآثار الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة وأخرى يقوي بعضها بعضًا.¥.
وقال الحسن البصري: هي الصدقة من الحب والثمار ¬أخرجه الطبري وأبو عبيد في الناسخ (ص 32) من طريق ابن علية عن أبي رجاء عن الحسن، وسنده صحيح.¥، وكذا قال زيد بن أسلم.
وقال آخرون: وهو حق آخر سوى الزكاة.
وقال أشعث: عن محمد بن سيرين ونافع، عن ابن عمر في قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة ¬أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أشعث بن سوار به (المصنف 3/ 76) وسنده ضعيف لضعف أشعث (التقريب ص 133).¥. رواه ابن مردويه.
وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: يعطي من حضره يومئذٍ ما تيسر، وليس بالزكاة ¬سنده حسن.¥.
وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه.
وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: عند الزرع يعطي القبضة وعند الصرام يعطي القبضة، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥.
وقال الثوري: عن حماد، عن إبراهيم النخعي قال: يعطي مثل الضغث ¬الضغث ملء اليد من الحشيش المختلط، وقيل الحزمة منه ومما أشبهه من البقول (النهاية 3/ 90).¥ ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يحيى بن سعيد عن الثوري به.¥.
وقال ابن المبارك: عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة والضغث لعلف دابته ¬أخرجه أبو يوسف (الخراج ص 21) من طريق سالم به، وسنده صحيح.¥.
وفي حديث ابن لهيعة: عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا، {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: (ما سقط من السنبل) رواه ابن مردويه ¬سنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.¥.
وقال آخرون: هذا شيء كان واجبًا ثم نسخه الله بالعشر أو نصف العشر، حكاه ابن جرير عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم النخعي والحسن والسدي وعطية العوفي وغيرهم ¬أخرجه الطبري بأسانيد متصلة عنهم يقوي بعضها بعضًا.¥، واختاره ابن جرير - رحمه الله -، قلت: وفي تسمية هذا نسخًا نظر، لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل ثم إنه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم.
وقد ذمّ الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة "ن" {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)} أي: كالليل المدلهم سوداء محترقة {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ} أي: قوة وجَلَد وهِمّة {قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)} [القلم].
وقوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} قيل: معناه: لا تسرفوا في الإعطاء فتعطوا فوق المعروف.
وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: {وَلَا تُسْرِفُوا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عاصم الأحول عن أبي العالية، وسنده صحيح لكنه مرسل.¥.
وقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، جذ نخلًا له فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} ¬أخرجه الطبري من طريق حجاج عن ابن جريج وسنده ضعيف للإعضال.¥ رواه ابن جرير عنه. وقال ابن جريج عن عطاء: نُهوا عن السرف في كل شيء ¬أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وأطول، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال، ومعناه صحيح.¥. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن إياس بنحوه.¥. وقال السدي في قوله: {وَلَا تُسْرِفُوا} قال: لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥. وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله: {وَلَا تُسْرِفُوا} قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي بكر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم، عن سعيد بن المسيب، وسنده ضعيف جدًا لأن أبا بكر بن عبد الله متهم بالوضع (ميزان الاعتدال 4/ 513 والمجروحين 3/ 147).¥.
ثم اختار ابن جرير قول عطاء، أنه نهي عن الإسراف في كل شيء ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر - والله أعلم - من سياق الآية، حيث قال تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا} أن يكون عائدًا على الأكل، أي: لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن، كما قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} الآية [الأعراف: 31].
وفي صحيح البخاري تعليقًا: "كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة" ¬أخرجه البخاري معلقًا (الصحيح، اللباس، باب قول الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32] الفتح 10/ 252) ووصله الإمام أحمد (المسند 2/ 182) وابن أبي الدنيا (الشكر رقم 51) كلاهما من طريق همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسنده حسن.¥ وهذا من هذا، والله أعلم.