تفسير ابن كثير
{وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)}.
وقوله - عز وجل -: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش، قيل: المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها، كما قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: {حَمُولَةً} ما حمل عليه من الإبل {وَفَرْشًا} الصغار من الإبل، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ¬ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 317).¥.
وقال ابن عباس: الحمولة: هي الكبار والفرش: الصغار من الإبل ¬أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس، وسنده ضعيف جدًا لأن أبا بكر الهذلي متروك.¥، وكذا قال مجاهد ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} أما الحمولة: فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.¥. واختاره ابن جرير قال: وأحسبه إنما سمي فرشًا لدنوه من الأرض.
وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيرهم: الحمولة: الإبل والبقر، والفرش الغنم ¬ذكره ابن أبي حاتم بحذف الإسناد.¥.
وقال السدي: أما الحمولة: فالإبل وأما الفرش فالفُصْلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة: ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافًا وفرشًا ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.¥. وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72)} [يس] وقال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)} إلى أن قال: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل].
وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81)} [غافر] وقوله تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أي: من الثمار والزروع والأنعام فكلها خلقها الله وجعلها رزقًا لكم {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي: طريقه وأوامره كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله، أي من الثمار والزروع افتراء على الله، {إِنَّهُ لَكُمْ} أي: أن الشيطان أيها الناس لكم {عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي: بين ظاهر العداوة، كما قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)} [فاطر] وقال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} الآية [الأعراف: 27]، وقال تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] والآيات في هذا كثيرة في القرآن.