تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عما هو قائلٌ يومَ القيامةِ لهؤلاءِ العادِلين به الآلهةَ والأندادَ، يُخْبِرُ عبادَه أنه يقولُ لهم عندَ وُرودِهم عليه: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى}.
ويعني بقولِه: {فُرَادَى}: وُحدانًا لا مالَ معهم ولا [إناثَ ولا رقيقَ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أثاث ولا رفيق"، وفي ف: "إناث ولا رفق". وينظر تفسير البغوي 3/ 169.¥، ولا شيءَ مما كان اللهُ خوَّلَهم في الدنيا، {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} عُراةً غُلْفًا غُرْلًا حفاةً كما ولدَتْهم أمهاتُهم، وكما خلَقَهم جلَّ ثناؤُه في بُطونِ أمهاتهم، لا شيءَ عليهم ولا معهم مما كانوا يَتَباهَوْن به في الدنيا.
و "فُرادَى" جمعٌ، يقالُ لواحدِها: فَرِدٌ. كما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ ¬ديوانه ص 7.¥:
مِن وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشَيٍّ أَكارِعُه ... طاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ ¬قال الأصمعي: وجرة: فلاة بين مران وذات عرق وهي مجمع الوحش، وهي قليلة الشرب للماء هناك. وموشي أكارعه: بيض وفي قوائمه نقط سود. وطاوي المصير: يريد ضامرا والمصير: المِعَى وجمعه المصران. وقوله: كسيف الصيقل الفرد. يريد: أنه يلوح كأنه سيف صقيل، ويقال: فرْد وفرَد. قال: ولم أسمع فرِدا إلا في هذا البيت. ديوان النابغة.¥
وفَردٌ وفَرِيدٌ، كما يقالُ: وحَدٌ ووَحِدٌ ووَحِيدٌ. في واحدِ الأَوحادِ، وقد يُجْمَعُ الفَرَدُ الفُرَادَ، كما يُجْمَعُ الوَحَدُ الوُحادَ، ومنه قولُ الشاعرِ ¬هو تميم بن أبي بن مقبل. وتقدم في 6/ 371، 372¥:
تَرَى النُّعَراتِ الزُّرْقَ فوقَ لَبانِه ... فُرادَ ومَثْنَى أَصْعَقَتْها صَواهِلُهْ
وكان يونُسُ الجَرْميُّ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "الحرمي". وينظر ما تقدم في 8/ 245.¥ فيما ذُكِر عنه يقولُ: فُرادٌ جمعُ فَرْدٍ. كما قيل: تُؤْمٌ وتُؤَامٌ. للجميعِ، ومنه الفُرَادى والرُّدَافي والقُراني ¬في ص: "العواني" بدون نقط، وفي م، ت 1، ت 2، ت 3: "الغواني"، وفي س: "العوافي" وفي ف: "العوابي".
والقراني يعني المقترنين، يقال: جاءوا قراني. أي: مقترنين. والقراني تثنية الفرادى يقال: جاءوا قراني وجاءوا فرادى. ينظر اللسان (ق ر ن).¥، ويقالُ: رجلٌ فردٌ.
وامرأةٌ فردٌ. إذا لم يَكُن لها أخٌ، وقد فرَد الرجلُ فهو يَفْرُدُ فُرُودًا، يُرادُ به تفرَّد، فهو فاردٌ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال: أخبَرني عمرٌو، أن ابنِ أبي هلالٍ حدَّثه، أنه سمِع القرظيَّ ¬في ص، م: "القرطبي"، والمثبت موافق لما في مصادر التخريج الآتية.¥ يقولُ: قرَأَت عائشةُ زوجُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قولَ اللهِ: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
فقالت: واسَوْءَتاه، إن الرجالَ والنساءَ يُحْشَرون جميعًا يَنْظُرُ بعضُهم إلى سَوْءَةِ بعضٍ! فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لكلِّ امرئٍ منهم يومَئذٍ شأنٌ يُغْنِيه، لا يَنْظُرُ الرجالُ إلى النساءِ، ولا النساءُ إلى الرجالِ، شُغِل بعضُهم عن بعضٍ" ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1349 (7639) عن يونس عن ابن وهب عن عمرو به، عمرو به، وأخرجه الحاكم 4/ 565 من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث به.¥.
وأما قولُه: {وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}. فإنه يقولُ: خَلَفْتُم أَيُّها القومُ ما مَلَّكناكم ¬في م، ت 1، ت،2، ت 3: "مكناكم".¥ في الدنيا، مما كنتم تَتَباهَوْن به فيها، خلفَكم في الدنيا، فلم تَحْمِلوه معكم. وهذا تَعْييرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه لهؤلاء المشركين بمُباهاتِهم التي كانوا يَتَباهَوْن بها في الدنيا بأموالِهم.
وكلُّ من ملَّكْتَه غيرَك وأعْطَيْتَه، فقد خوَّلْتَه، يقالُ منه: خال الرجلُ يَخالُ أشدَّ الخِيالِ. بكسرِ الخاءِ، وهو خائلٌ، ومنه قولُ أبي النَّجْمِ ¬ديوانه (مجموع) ص 175.¥:
أَعْطَى فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ ... كُومَ الذُّرا ¬كوم جمع كوماء: وهي الناقة العظيمة السنام طويلته. والذرا جمع ذروة: وهي أعلى كل شيء، وأراد السنام. ينظر اللسان (ك و م، ذ ر و).¥ مِن خَوَلِ المُخَوِّلِ
وقد ذُكِر أن أبا عمرِو بنَ العلاءِ كان يُنْشِدُ بِيتَ زُهَيْرٍ ¬ينظر شرح ديوان زهير ص 112. وينظر ما سيأتي في تفسير الآية (8) من سورة "الزمر".¥:
هنالك إن يُسْتَخوَلوا المالَ يُخْوِلُوا ... وإن يُسْأَلُوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يُغْلُوا ¬ورواية الديوان:
هنالك إن يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا ...
وييسروا: من الميسر، يغلوا: يأخذون سمان الجزر لا ينحرون إلا غالية. ينظر شرح ديوان زهير ص 112 وحاشيته.¥ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ}: مِن المالِ والخَدَمِ. {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} في الدنيا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1350 (7642، 7643) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 32 إلى أبي الشيخ.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}.
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأندادَ يومَ القيامةِ: ما نَرَى معكم شفعاءَكم الذين كنتم في الدنيا تَزْعُمون أنهم يَشْفَعون لكم عندَ رَبِّكم يومَ القيامةِ.
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت في النَّضْرِ بنِ الحارثِ، لقيلِه إن اللاتَ والعُزَّى يَشْفَعان له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ.
وقيل: إن ذلك كان قولُ كافةِ عَبَدةِ الأوثانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}.
فإن المشركين كانوا يَزْعُمون أنهم كانوا يَعْبُدون الآلهةَ لأنهم شُفعاءُ، يَشْفَعون لهم عندَ اللهِ، وأن هذه الآلهةَ شركاءُ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1350 (7645) مِن طريق أحمد بن المفضل به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: قال النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ: سوف تَشْفَعُ ليَ اللاتُ والعُزَّى. فنزَلَت هذه الآيةُ: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} إلى قولِه: {شُرَكَاءُ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1350 (7644) مِن طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 32 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}.
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِه يومَ القيامةِ لهؤلاء المشركين به الأندادَ: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}. يعني تَواصُلَهم الذي كان بينَهم في الدنيا، ذهَب ذلك اليومَ، فلا تَواصُلَ بينَهم ولا تَوَادَّ ولا تَناصُرَ، وقد كانوا في الدنيا يَتَواصَلون ويَتَناصَرون، فاضْمَحَلَّ ذلك كلُّه في الآخرةِ، فلا أحدَ منهم يَنْصُرُ صاحبَه، ولا يُواصِلُه.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}: البَيْنُ تَواصُلُهم ¬تفسير مجاهد ص 325.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}. قال: تَواصُلُهم في الدنيا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1350 (7647) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 33 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}. قال: وَصْلُكم.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}. قال: ما كان بينَكم مِن الوَصْلِ ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 214، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 32 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} يعني: الأرحامُ والمنازلُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1350 (7646) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 33 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}. يقولُ: تقطَّع ما بينَكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1350 (7648) من طريق أحمد بن المفضل به.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: قال أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ: (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكم): التواصُلُ في الدنيا.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قولِه: {بَيْنَكُمْ}؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ نصبًا ¬هي قراءة نافع وأبو جعفر المدنيان والكسائي وحفص. النشر 2/ 195.¥، بمعني: لقد تقَطَّع ما بينَكم.
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ مكةَ والعراقَيْن ¬في ف، م: "العراقيين".¥: (لقد تَّقَطَّع بينُكم) رفعًا ¬هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة وأبي بكر ويعقوب وخلف العاشر. ينظر النشر 2/ 195.¥، بمعنى: لقد تقَطَّع وصلُكم.
والصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان مَشْهورتان باتفاقِ المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ، وذلك أن العربَ قد تَنْصِبُ "بينَ" في موضعِ الاسمِ، ذُكِر سماعًا منها: أتاني ¬في م: "إيابي". وينظر معاني القرآن للفراء 1/ 345.¥ نحوَك ودونَك وسَواءَك. نصبًا في موضعِ الرفعِ، وقد ذُكِر عنها سماعًا الرفعُ في "بينَ" إذا كان الفعلُ لها، وجُعِلَت 1 سمًا، ويُنشَدُ بيتُ مُهَلْهِلٍ ¬هو مهلهل بن ربيعة، والبيت في أمالي القالي 2/ 132، والمحتسب لابن جني 2/ 190.¥:
كأنَّ رِماحَهم أَشْطانُ بئرٍ ... بعيدٍ بينُ جالَيْها ¬الأشطان: الحبال، واحدها شطن، والبئر هاهنا: الهواء الذي مِن الجال إلى الجال. وجال البئر وجولها: ناحيتها وما يحبس الماء منها. الأمالي 2/ 132، 133.¥ جَرُورٍ ¬الجرور من الآبار: البعيدة القعر. وقال الأصمعي: بئر جرور، وهي التي يستقي منها على بعير، وإنما قيل لها ذلك لأن دلوها تجر على شفيرها لبعد قعرها. اللسان (ج ر ر).¥
برفعِ "بين" إذ كانت اسمًا، غيرَ أن الأغلبَ عليهم في كلامِهم النصبُ فيها في حالِ كونِها صفةً، وفي حالِ كونِها اسمًا.
وأما قولُه: {وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}. فإنه يقولُ: وحاد عن طريقِكم ومِنْهاجِكم ما كُنتم مِن آلهتِكم تَزْعُمون أنه شَريكُ ربِّكم، وأنه لكم شَفيعٌ عندَ ربِّكم، فلا يَشْفَعُ لكم اليومَ.