تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}.
يعنى تعالى ذِكُره بذلك: وقُوموا للهِ في صلاتِكم مُطيعين له - لما قد بَيَّنَّاهُ من معناه - فإِنْ خِفْتُمْ مِن عدوٍّ لكم أيها الناسُ، تَخشَوْنَهم على أنفسِكم في حالِ التقائِكم معهم، أن تُصَلُّوا قيامًا على أرجلِكم بالأرضِ قانتينَ للَّهِ، فَصَلُّوا رجالًا مُشاةً على أرجُلِكم، وأنتم في حربِكم وقتالِكم وجهادِ عدوِّكم، أو رُكْبانًا على ظُهورِ دَوابِّكم، فإن ذلك يَجزيكُم حينئذٍ مِن القيامِ منكم ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "أو"¥ قانتينَ.
ولما قلنا مِن أن معنَى ذلك كذلك، جازَ نصبُ "الرجالِ" بالمعنى المحذوفِ، وذلك أن العربَ تفعَلُ ذلك في الجزاءِ خاصةً؛ لأن ثانيه شبيهٌ بالمعطوفِ على أوَّلِه، ويُبَيِّنُ ذلك أنهم يقولون: إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. بمعنى: إن تفعَل خيرًا تُصِبْ خيرًا، وإن تفعَلْ شَرًّا تُصِبْ شرًّا. فيَعْطِفون ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "فيعطون".¥ الجوابَ على الأولِ لانجزامِ الثاني بجزمِ الأولِ، فكذلك قولُه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}، بمعنى: إنْ خِفْتُم أن تُصلُّوا قيامًا بالأرضِ، فصلُّوا رِجالًا.
والرِّجالُ جمعُ رَاجلٍ ورَجُلٍ. وأما أهلُ الحجازِ فإنهم يقولون لواحدِ الرِّجالِ: رَجُلٌ. مسموعٌ منهم: مَشَى فلانٌ إلى بيتِ اللهِ حافيًا رَجُلًا. وقد سُمِعَ مِن بعضِ أحياءِ العربِ في واحدِهم: رَجُلانُ، كما قال بعضُ بني عُقَيْلٍ ¬البيت المجنون ليلى قيس بن الملوح، وهو في ديوانه ص 301.¥:
عليَّ إذَا أَبْصَرْتُ لَيْلَى بخَلْوَةٍ ... أن ازْدَارَ ¬في ص: "ازوار". وازدار، افتعل مِن الزيارة.¥ بَيْتَ اللَّهِ رَجْلانَ حافِيا
فمَن قال: رَجْلان. للذكَرِ، قال للأنثى: رَجْلَى. وجاز في جمعِ المذكرِ والمؤنَّثِ فيه أن يُقالَ: أتى القومُ رُجالَى ورَجالى. مثلُ كُسالى وكَسَالَى.
وقد حُكِىَ عن بعضِهم أنه كان يقرأُ ذلك: (فإنْ خِفْتُمْ فَرجَالًا) ¬وبها قرأ ابن محيصن وعكرمة وأبو مجلز. البحر المحيط 2/ 243.¥ مشدَّدةً. وعن بعضهم أنه كان يقرأُ: (فَرجَالًا) ¬رويت هذه القراءة عن عكرمة. المصدر السابق.¥. وكلتا ¬في ص، ت 1، ت 2: "كلا".¥ القراءتَيِن غيرُ جائزةٍ القراءةُ بها عندنا؛ لخلافِها ¬في م: "بخلاف"، وفي ت 2: "لخلاف".¥ القراءةَ الموروثةَ المستفيضةَ ¬في ص، ت 1، ت 2: "مستفيضة".¥ في أمصارِ المسلمين.
وأما الركبانُ، فجمعُ راكبٍ، يقالُ: هو راكبٌ، وهم رُكبانٌ ورَكْبٌ ورَكْبَةٌ ورُكَابٌ وأَرْكُبٌ وأُرْكوبٌ. يقالُ: جاءنا أُرْكوبٌ مِن الناسِ وأراكيبُ.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: سألته عن قولِه: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: عندَ المطاردةِ يُصلِّى حيثُ كانَ وجهه؛ راكبًا أو رَاجِلًا، ويجعَلُ السجودَ أخفضَ مِن الركوعِ، ويُصلِّي ركعتيْن، يُومئُ إيماءً ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2513)، (410 - تفسير) عن هشيم به.¥.
حدَّثنا ابن بشّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: صلاةُ الضِّرابِ ركعتَينِ، يُومئُ إيماءً.
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ قوله: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: يُصلِّى ركعتَينِ حيثُ كان وجْهُه، يُومئُ إيماءً ¬تفسير سفيان ص 70، ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه 2/ 514 (4260). والدولابي في الكني 2/ 153، 154.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلَ، عن سالمٍ: عن سعيدِ بن جُبيرٍ: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: إِذا طَرَدَتِ الحَيلُ فأَوْمِئْ إيماءً ¬أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 466، وابن حزم في المحلى 5/ 53 من طريق سالم به بنحوه.¥.
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن مالكٍ، عن سعيدٍ، قال: يُومئُ إيماءً.
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن يونسُ، عن الحسنِ: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: إذا كان عندِ القتالِ صلَّى راكبًا أو ماشيًا حيثُ كان وجْهُه، يُومئُ إيماءً ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2514)، (411 - تفسير) عن هشيم به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}: أصحابُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - في القتالِ على الخيلِ، فإذا وقَع الخوفُ، فلْيُصَلِّ الرجلُ على كلِّ جهةٍ؛ قائمًا أو راكبًا، أو كما قَدَرَ على أن يومئَ برأسِه أو يتكلَّمَ بلسانِه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 308 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: أو راكبًا. لأصحابُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. وقال أيضًا: أو راكبًا، أو ما قدَرَ أنْ يُومئَ برأسِه. وسائرُ الحديثِ مثلُه.
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضّحاكِ في قولِه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: إذا التقَوْا عندَ القتالِ وطَلَبوا، أو طُلِبوا، أو طلَبهم سَبْعٌ، فصلاتُهم تكبيرتانِ إيماءً أيَّ جهةٍ كانت.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحاكِ في قولِه: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: ذلك عندَ القتالِ، يُصَلِّي حيثُ كان وجهُه؛ راكبًا أو راجلًا، إذا كان يُطْلَبُ، أو يَطْلُبُه سَبْعٌ، فَلْيُصَلِّ ركعةً يُومِئُ إيماءً، فإن لم يَسْتَطِعْ فَلْيُكَبِّرُ تكبيرتَين ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2515)، (412 - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن المبارك في الجهاد (251)، وعبد الرزاق في مصنفه (4263)، وابن أبي شيبة 2/ 461، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 1052 (5893) من طريق جويبر به بنحوه.¥.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الفضلِ بن دَلْهَمٍ، عن الحسنِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: ركعةً وأنت تَمْشِى، وأنت يُوضِعُ ¬أي: يسرع. التاج (و ض ع).¥ بك بعيرُك ويَرْكُضُ بك فرسُك، على أيِّ جهةٍ كان ¬أخرجه ابن المبارك في الجهاد (249) عن الفضل بن دلهم به.¥.
حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}: أمَّا "رِجالًا"، فعلى أرجلِكم إذا قاتلْتُم، يُصَلِّي الرجلُ يُومِئُ برأسِه أيَنْما توجَّه، و ¬سقط من: ص، ت 2.¥ الراكبُ على دابَّتِه يُومِئُ برأسِه أيْنما توجَّه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 450 عقب الأثر (2382) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} الآية: أحلَّ اللهُ لك إذا كنتَ خائفًا عندَ القتالِ أن تُصَلِّيَ وأنت راكبٌ، وأنت تَسْعَى، تُومِئُ برأسِك مِن حيثُ كان وجهُك، إن قدَرتَ على ركعتَيْنِ، وإلا فواحدةً ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 308 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: ذاك عندَ المُسايَفَةِ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (4265) ومن طريقه ابن حزم في المحلى 5/ 52.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبَرنا ابن المبارك، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ في قولِه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: إذا طلَب الأعداءُ فقد حَلَّ لهم أن يُصَلُّوا قِبَلَ أَي جهةٍ كانوا؛ رجالًا أو رُكبانًا، يُومِئون إيماءً ركعتَين. وقال قتادَةُ: تُجزئُ ركعةٌ ¬أخرجه ابن المبارك في الجهاد (254)، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (4259) - ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط 5/ 28 (2342) - عن معمر دون ذكر قول قتادة.¥.
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: كانوا إذا خَشُوا العدوَّ صَلَّوا ركعتَين، راكبًا كان أو راجلًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 450 عقب الأثر (2385) مِن طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرَةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: يُصَلِّي الرجلُ في القتالِ المكتوبةَ على دابَّتِه وعلى راحلتِه حيثُ كان وجْهُه، يُومِئُ إيماءً عندَ كلِّ ركوعٍ وسجودٍ، ولكنَّ السجودَ أخفضُ مِن الركوعِ. [قال: هذا] ¬في م، ت 1: فهذا".¥ حين تأخُذُ السيوفُ بعضُها بعضًا، هذا في المطاردةِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 460 عن جرير به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (2517)، (409 - تفسير) عن أبي الأحوص، عن مغيرة به، وينظر تفسير مجاهد ص 239.¥.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، قال: كان قتادةُ يقولُ: إن استطاع ركعتَيْن وإلا فواحدةً، يُومئُ إيماءً، إن شاء راكبًا أو راجلًا، قال اللهُ تعالى ذِكُره: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (4262) عن معمر، عن قتادة.¥.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال في الخائفِ الذي يَطْلُبُه العدوُّ، قال: إن استطاع أن يُصَلِّي ركعتين، وإلا صلَّى ركعةً ¬أخرجه ابن المبارك في الجهاد (248)، وابن أبي شيبة 2/ 460 من طرق عن الحسن.¥
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: ركعةً ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (4261)، وابن أبي شيبة 2/ 461، وابن حزم في المحلى 5/ 52 من طريق الثورى به.¥.
حدَّثنا ابن بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألتُ الحكمَ وحمادًا وقتادَةَ عن صلاةِ المُسايَفةِ، فقالوا: ركعةً ¬أخرجه ابن حزم في المحلى 5/ 53 من طريق عبد الرحمن بن مهدى به. وأخرجه ابن المبارك في الجهاد (250)، وابن أبي شيبة 2/ 460 من طريق شعبة به وليس عند ابن أبي شيبة ذكر قتادة.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ¬في م: "بشار".¥، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألتُ الحكمَ وحمادًا وقتادةَ عن صلاةِ المسايفَةِ، فقالُوا: يُومِئُ إيماءً حيثُ كان وجْهُه.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: [ثنا شعبةُ] ¬سقط من النسخ.¥، عن حمادٍ والحكَمِ وقتادةَ، أنهم سُئِلوا عن الصلاةِ عندَ المسايفةِ، فقالوا: ركعةً حيثُ وجْهُكَ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أَشْعَثَ بن سَوَّارٍ، قال: سألتُ ابن سِيرِينَ عن صلاةِ المنهزِم، فقال: كيف استطاعَ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 461 من طريق أشعث به بنحوه.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن يزيدَ، عن أبي نَضْرَةَ، عن جابرِ بن غُرابٍ ¬في النسخ: "عرب". والمثبت مِن مصدري التخريج، وينظر المؤتلف والمختلف للدارقطني 4/ 1769.¥، قال: كنَّا نُقَاتِلُ القومَ وعلينا هَرِمُ بنُ حَيَّانَ، فحضرتِ الصلاةُ، فقالوا: الصلاةَ الصلاةَ. فقال هَرِمٌ: يَسْجُدُ الرجلُ حيثُ كان وجْهُه سجدةً. قال: ونحن مُستقبِلو المشرقِ ¬في ت 1، ت 2: "الشرق".
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 460، وابن حزم 5/ 53، من طريق سعيد بن يزيد به نحوه.¥.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي نَضْرَةَ، قال: كان هَرِمُ بنُ حَيَّانَ على جيشٍ، فحضروا العدوُّ، فقال: يَسْجُدُ كلُّ رجلٍ منكم تحتَ جُنَّتِه ¬في م: "جيبه". وفي ت 1، ت 2، ت 3: "جنبه"، وغير منقوطة في ص. والمثبت من المحلى 5/ 53.
والجُنَّة: ما واراك مِن السلاح واستترت به منه. اللسان (ج ن ن).¥ حيثُ كان وجْهُه، سجدةً أو ما اسْتَيْسَر. فقلتُ لأبي نَضْرَةَ: ما: ما استيسَرَ؟ قال: يُومِيُّ.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أبو مَسْلَمةَ، عن أبي نَضْرَة، قال: ثني جابرُ بنُ غُرابٍ ¬في النسخ: "عرب".¥، قال: كنَّا مَعَ هَرِمِ بن حَيَّانَ نُقاتِلُ العدوَّ مستقبِلى المشرقِ، فحضرتِ الصلاةُ، فقالوا: الصلاةَ. فقال: يَسْجُدُ الرجلُ تحتَ جنَّتِه (2) سجدةً.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن عبدِ الملكِ بن أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قولِه: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: تُصَلِّي حيثُ توجَّهتَ؛ راكبًا، وماشيًا، وحيثُ توجَّهتْ بك دابَّتُك، تُومئُ إيماءً للمكْتوبةِ ¬أخرجه ابن المبارك في الجهاد (257) من طريق خالد بن أبي نوف، عن عطاء بنحوه.¥.
حدَّثني سعيدُ بنُ عَمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بقيَّةُ ¬في م: "هبة".¥ بنُ الوليد، قال: ثنا المسْعُوديُّ، قال: ثنى يزيدُ الفقيرُ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: صلاةُ الخوفِ ركعةٌ ¬أخرجه ابن المبارك في الجهاد (252)، والطيالسي (1898)، وابن أبي شيبة 2/ 463، والبيهقي 3/ 257، 263 من طريق المسعودى، بنحوه.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا موسى بنُ محمدٍ الأنصاريُّ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في هذه الآيةِ، قال: إذا كان خائفًا صلَّى على أيِّ حالٍ كان.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال مالكٌ، وسألته ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "سألت".¥ عن قولِ اللهِ: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. قال: راكبًا وماشيًا، لو كانت إنَّما عنَى بها الناسَ، لم يَأتِ إلا رجالًا، وانقطعتِ الآيةُ ¬في النسخ: "الألف". وما أثبتناه هو الصواب.¥، إنما هي رجالٌ مُشاةٌ. وقرَأ ¬في ص، ت 2: " ومن إنا ترك"، وفي م: "عن"، وفي ت:1"ومن إلى ترك". والمثبت كما عند الشيخ شاكر.¥: {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج: 27]. قال: يَأْتُون مشاةً وركبانًا.
قال أبو جعفرٍ: والخوفُ الذي للمصلِّى أن يُصَلِّيَ مِن أجْلِه المكتوبةَ ماشيًا راجلًا وراكبًا جائلًا ¬في ص: "حائلًا"، والجائل والحائل كلاهما بمعنى، وهو الزائل عن مكانه. اللسان (ج) و ل).¥: الخوفُ على المُهْجَةِ ¬في م، ص: "المهمة"، وفي ت 2: "المسلة". والمهجة: الروح. اللسان (م هـ ج).¥ عند السَّلَّةِ ¬في م: "السلمة"، وفي ت 2: "المسلة". والسَّلَّة: استلال السيوف عندَ القتالِ. اللسان (س ل ل).¥ والمسايفةِ في قتالِ مَن أُمِر بقتالِه مِن عدوٍّ للمسلمين، أو محاربٍ، أو طلَبِ سَبُعٍ، أو جملٍ صائلٍ، أو سيلٍ سائلٍ،، فخاف الغرَقَ فيه. وكلُّ ما الأغلبُ مِن شأنه هلاكُ المرءِ منه إن صلَّى صلاةَ الأمن، فإنه إذا كان ذلك كذلك، فله أن يُصلِّيَ صلاةَ شَدَّةِ الخوفِ حيثُ كان ¬بعده في ص، ت 1، ت 2: "من".¥ وجْهُه، يُومِيُّ إيماءً؛ لعمومِ كتابِ اللهِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}، ولم يَخُصَّ الخوفَ على ذلك على نوعٍ مِن الأنواعِ، بعد أن يكونَ الخوفُ صفتُه ما ذكَرتُ.
وإنما قلنا: إن الخوفَ الذي يُجَوِّزُ للمصلِّى أن يُصَلِّيَ كذلك هو الذي الأغلبُ منه الهلاكُ بإقامةِ الصلاةِ بحدودِها، وذلك حال شدَّةِ الخوفِ؛ لأن محمدَ بنَ حُميدٍ وسفيانَ بنَ وكيعٍ حدثاني، قالا: ثنا جريرٌ، عن عبدِ اللهِ بن نافعٍ، عن أبيه، عن ابنَ عمر، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاةِ الخوفِ: "يَقُومُ الأميرُ وطائفةٌ مِن الناسِ معَه، فَيَسْجُدون سجدةً واحدةً، ثم تكونُ طائفةٌ مِنهم بينَهم وبينَ العدوِّ، ثم يَنْصَرِفُ الذين سجَدوا سجدةً معَ أميرِهم، ثم يكونون مكانَ الذين لم يُصَلُّوا، ويَتَقَدَّمُ الذين لم يُصَلُّوا فيُصَلُّون معَ أميرِهم سجدةً واحدةً، ثم يَنْصَرِفُ أميرُهم وقد قضَى صلاته، ويُصَلِّي بصلاتِه ¬في م: "بعد صلاته".¥ كلُّ واحدٍ مِنَ الطائفتَيْن سجدةً لنفسِه، وإن كان خوفٌ أَشدُّ مِن ذلك فرِجالًا أو رُكبانًا" ¬أخرجه ابن ماجه (1258) من طريق جرير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وأخرجه مالك في الموطأ 1/ 184 - ومن طريقه البخاريّ (4535) - من طريق نافع به.¥.
حدَّثني سعيدُ بنُ يحيى الأُموَيُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا ابن جُريجٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ، قال: إذا اخْتَلطوا ¬في النسخ: "اختلفوا" والمثبت مِن مصدر التخريج.¥ - يعني في القتالِ - فإنّما هو الذِّكرُ. وأشار بالرأسِ، قال ابن عُمرَ: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "وإن كانوا أكثرَ مِن ذلك فيُصَلُّون قيامًا ورُكبانًا ¬أخرجه البخاريّ (943) عن سعيدٍ بن يحيى به، وأخرجه أحمد 10/ 471 (6431)، ومسلم (839/ 306) من طريق موسى بن عقبة به.¥.
ففصَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَ حكمِ صلاةِ الخوفِ في غيرِ حالِ المسايفةِ والمطاردةِ، وبينَ حكمِ صلاةِ الخوفِ في حالِ شدَّةِ الخوفِ والمسايفةِ، على ما روَيْنا عن ابن عُمرَ، فكان معلومًا بذلك أن قولَه تعالى ذِكُره: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}. إنما عنَى به الخوفَ الذي وصَفْنا صفتَه.
وبنحوِ الذي روَى ابن عُمرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، رُوِى عن ابن عُمَرَ أنه كان يقولُ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ أنه قال في صلاةِ الخوفِ: يُصَلِّي بطائفةٍ مِن القومِ ركعةً، وطائفةٌ تَحْرُسُ، ثم يَنْطَلِقُ هؤلاءِ الذين صلَّى بهم ركعةً حتى يقوموا مَقامَ أصحابهم، ثم يَجِيءُ أولئك، فيُصَلِّي بهم ركعةً، ثم يُسلِّمُ، وتقومُ كلُّ طائفةٍ فتُصَلِّى ركعةً. قال: فإن كان خوفٌ أشدُّ مِن ذلك فرجالًا أو ركبانًا ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (4258) عن ابن جريج نافع به.¥.
وأمَّا عددُ الركَعاتِ في تلك الحالِ مِن الصلاةِ، فإني أُحِبُّ أَلا يَقْصُرَ ¬في م، ت 1: "يقتصر".¥ مِن عددِها في حالِ الأمنِ، وإن قصَر عن ذلك فصلَّى ركعةً، رأيتُها مُجزئةً؛ لأن بشرَ بنَ مُعاذٍ حدَّثني، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن بُكيرِ ¬في النسخ: "بكر". وينظر تهذيب الكمال 4/ 235.¥ بن الأخنسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فرَض اللهُ الصلاةَ على لسانِ نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - في الحضَرِ أربعًا، وفي السفرِ ركعتَينِ، وفي الخوفِ ركعةً ¬أخرجه أحمد 4/ 28، 144 (2124، 2293)، ومسلم (5/ 687)، وأبو داود (1248)، والنسائي (454)، وابن ماجه (1068)، وابن حبان 7/ 119 (2868)، والبيهقي 3/ 135 من طريق أبي عوانة به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)}
وتأويلُ ذلك: فإذا أمِنْتُم، أيُّها المؤمنون مِن عدوِّكم أن يَقْدِرَ على قتلِكم في حالِ اشتغالِكم بصلاتِكم التي فرَضها عليكم، ومِن غيرِه ممن كنتم تَخافونَه على أنفسِكم في حالِ صلاتِكم، فاطْمَأَنتُم، فاذْكُرُوا الله، في صلاتِكم وفي غيرِها، بالشُّكرِ له والحمدِ والثناءِ عليه، على ما أَنْعَم به عليكم مِن التوفيقِ لإصابةِ الحقِّ الذي ضلَّ عنه أعداؤكم مِن أهلِ الكفرِ باللهِ، كما ذكَركم بتعليمه إيَّاكم مِن أحكامِه، وحلالِه وحرامِه، وأخبارِ مَن قبلَكم مِن الأممِ السالفةِ، والأنباءِ الحادثةِ ¬في ت 2: "السالفة".¥ بعدَكم في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ، التي جهِلها غيرُكم، وبصَّركم مِن ذلك وغيره؛ إنعامًا منه عليكم بذلك، فعلَّمكم منه ما لم تكونوا مِن قبل تعليمِه إيَّاكم، تَعْلَمون.
وكان مجاهدٌ يقولُ في قولِه: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ}. ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ}. قال: خرَجتُم مِن دارِ السفرِ إلى دارِ الإقامةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 451 (2378) من طريق وكيع به، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد.¥.
وبمثلِ الذي قلنا مِن ذلك قال ابن زيدٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ}. قال: فإذا أمِنتُم فصلُّوا الصلاةَ كما افتَرَض اللهُ عليكم، إذا جاء الخوفُ كانت لهم رخصةً ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 309 إلى المصنف.¥.
وقولُه ههنا: {فَاذْكُرُوا ¬في ص، ت 1، ت 2: "اذكروا".¥ اللَّهَ}. قال: الصلاةُ، {كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}.
وهذا القولُ الذي ذكَرناه عن مجاهدٍ قولٌ غيرُه أوْلَى بالصوابِ منه؛ لإجماع الجميعِ على أن الخوفَ متى زال فواجبٌ على المصلِّى المكتوبةَ - وإن كان في سفرٍ - أداؤُها بركوعِها وسجودِها وحدودِها، وقائمًا بالأرضِ غيرَ ماشٍ ولا راكبٍ، كالذي يجِبُ عليه مِن ذلك إذا كان مقيمًا في مصرِه وبلدِه، إلا ما أُبيحَ له مِن القصرِ فيها في سفرِه، ولم يَجْرِ في هذه الآية للسفرِ ذكرٌ فيَتَوَجَّهَ قولُه: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} إليه. وإنما جرَى ذكرُ الصلاةِ في حالِ الأمنِ وحالِ شدَّةِ الخوفِ، فعرَّف اللهُ سبحانَه وتعالى عبادَه صفةَ الواجبِ عليهم مِن الصلاةِ فيهما، ثم قال: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} فزالَ الخوفُ، فأَقِيموا صلاتَكم وذِكرِى فيها وفي غيرِها، مثلَ الذي أوجبْتُه عليكم قبلَ حدوثِ حالِ الخوفِ.
وبعدُ ¬في م: "بعده".¥، فلو ¬في ص، ت 1، ت 2: "فإن".¥ كان جرَى للسفرِ ذِكرٌ، ثم أرادَ اللهُ تعالى ذِكُره تعريفَ خلقِه صفةَ الواجبِ عليهم مِن الصلاةِ بعدَ مُقامِهم لقال: فإِذا أَقَمْتم فاذْكُرُوا الله كما علَّمكم ما لم تكونوا تَعْلَمون. ولم يَقُلْ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ}. وفي قولِه تعالى ذِكُره: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ}. الدَّلالة الواضِحةُ على صحةِ قولِ مِن وجَّه تأويلَ ذلك إلى الذي قلنا فيه، [وخلافِ] ¬في م: "وإلى خلاف".
* من هنا يبدأ الجزء الأول من المخطوط س.¥ قول مُجاهد.