تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}.
يعنى تعالى ذِكُره بذلك: والذين يُتَوَّفون منكم أيُّها الرجالُ، {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} يعني زوجاتٍ كُنَّ له نساءً في حياتِه، بنكاحٍ لا مِلْكِ يمينٍ. ثم صُرِف الخبرُ عن ذكرِ مَن ابْتَدأ الخبرُ بذكرِه، نظير الذي مضَى مِن ذلك في قولِه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} إلى الخبرِ عن ذكرِ أزواجِهم. وقد ذكَرنا وجهَ ذلك، ودلَّلْنا على صحةِ القولِ فيه في نظيرِه الذي قد تقدَّم قبلَه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في ص 247.¥.
ثم قال تعالى ذِكُره: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} فَاخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأ بعضُهم: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} بنصبِ "الوصيةِ"، بمعنى: فَلْيُوصوا وصيةً لأزواجِهم، أو عليهمْ وصيةً لأزواجِهم ¬كذا وردت هذه العبارة، والظاهر أن فيها سقطا تقديره: "عليهم أن يوصوا وصية". أو: "كتب الله عليهم وصية". أو أن يكونَ مكانها شاهدا لقراءة من قرأ بالرفع.¥.
وقرَأ آخَرون: (وصيةٌ لأزواجهم) برفعِ "الوصيةِ" ¬قرأ بالنصب أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص. وقرأ الباقون بالرفع. ينظر حجة القراءات ص 138.¥.
ثم اخْتَلف أهلُ العربيةِ في وجهِ رفعِ "الوصية"؛ فقال بعضُهم: رُفِعت بمعنى: كُتبِتْ عليهم الوصيةُ. واعتلَّ في ذلك بأنها كذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ ¬معاني القرآن للفراء 1/ 156، والبحر المحيط 2/ 245.¥.
فتأويلُ الكلامِ على ما قاله هذا القائلُ: والذين يُتَوَفَّوْن منكم ويَذَرُون أزواجًا، كُتِب عليهم وصيةٌ لأزواجِهم. ثم تُرك ذكرُ "كُتِبَ"، ورُفِعت "الوصيةُ" بذلك المعنى، وإن كان متروكًا ذِكرُه.
وقال آخَرون منهم: بل "الوصيةُ" مرفوعةٌ بقولِه: {لِأَزْوَاجِهِمْ} فتأوَّل ¬في ص: "فتأويل".¥: لأزواجِهم وصيَّةٌ.
والقولُ الأولُ أوْلَى بالصوابِ في ذلك، وهو أن تكونَ الوصيةُ - إذا رُفِعت - مرفوعةً بمعنى: كُتِب عليكم وصيةٌ لأزواجِكم. لأن العربَ تُضْمِرُ النكراتِ مرافعَها قبلَها إِذا أَضْمَرت، فإذا أظهرت بدأَت به قبلَها فتقولُ: جاءني رجلٌ اليومَ. وإذا قالوا: رجلٌ جاءنى اليومَ. لم يكادُوا أن يقولوه إلّا والرجلُ حاضرٌ يُشيرون إليه بـ "هذا"، أو غائبٌ قد علِم المخبَرُ عنه خبره، أو بحذفِ "هذا"، وإضمارِه، وإن حذَفوه لمعرفةِ السامعِ بمعنى المتكلِّمِ، كما قال اللهُ تعالى ذِكُره: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا} [النور: 1]. {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1]. فكذلك ذلك في قولِه: (وَصِيَّةٌ لأَزْوَاجِهِمْ).
وأَولى القراءتينِ بالصوابِ في ذلك عندنا قراءةُ مَن قرأَهُ رفعًا ¬القراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما.¥؛ لدَلالةِ ظاهرِ القرآن على أن مُقامَ المتوفَّى عنها زوجُها في بيتِ زوجهِا المتوفَّى حولًا كاملًا، كان حقًّا لها قبلَ نزولِ قولِه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}. وقبلَ نزُولِ آية الميراثِ، ولتظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بنحوِ الذي دَلَّ عليه الظاهرُ مِن ذلك، أوصى لهنَّ أزواجُهنَّ بذلك قبلَ وفاتهنَّ أو لم يُوصوا لهنَّ به.
فإن قال قائلٌ: وما الدَّلالةُ على ذلك؟ قيل: لمَّا قال اللهُ تعالى ذكرُه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} وكان الموصِى لا شَكَّ إِنما يُوصِى في حياتِه بما يَأْمُرُ ¬في م: "يؤمر".¥ بإنْفاذه بعدَ وفاتِه، وكان مُحالًا أن يُوصِيَ بعدَ وفاتِه، وكان تعالى ذِكُره إنما جعَل لامرأةِ الميتِ سكنَ الحولِ بعد وفاتِه، [عُلِم أنه] ¬في ص، ت 1، ت 2، س: "علما به".¥ حقٌّ لها وجَب لها ¬سقط من: م.¥ في مالِه بغيرِ وصيةٍ منه لها، إذْ ¬في ص، ت 1، ت 2: "إن".¥ كان الميتُ مُستحيلًا أن يكونَ منه وصيةٌ بعدَ وفاتِه.
ولو كان معنَى الكلامِ على ما تأوَّله مَن قال: فلْيُوصِ وصيةً. لكان التنزيلُ: والذين يَحْضُرُهم الوفاةُ، ويَذَرُونَ أزواجا وصيةً لأزواجهم، كما قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: 180].
وبعدُ، فلو كان ذلك واجبًا لهنَّ بوصية مِن أزواجهنَّ المتوفَّينَ، لم يكن ذلكَ حقًّا لهنَّ إذا لم يُوصِ أزواجُهنَّ لهنَّ به ¬سقط من: م.¥ قبلَ وفاتهم، ولكان [قد كان لورثتِهم] ¬في م: لورثتهم، وفي ص، ت 1، ت 2، ت 3: "لورثتهم قد كان"، والمثبت هو الصواب.¥ إخراجهنَّ قبلَ الحوْلِ، وقد قال اللهُ تعالى ذِكُره: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} ولكن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظنَّه في تأويلِه قارتُه: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} بمعنى: أن الله تعالى كان أمَر أزواجهنَّ بالوصية لهنَّ، وإنما تأويلُ ذلك: والذين يُتَوفَّون منكم ويَذَرون أزواجًا كَتب اللهُ لأزواجِهم عليكُم وصيةً منه لهنَّ أيُّها المؤمنون، ألا تُخْرِجُوهُنَّ مِن منازلِ أزواجهنَّ حوْلًا. كما قال تعالى ذِكُره في سورِة "النساءِ": {غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 12]. ثم ترَكَ ذكرَ "كتب اللهُ" اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، ورُفِعت الوصيةُ بالمعنى الذي قلنا قبلُ.
فإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ نصبُ الوصيةِ [على الحالِ، بمعنى: مُوصِين] ¬مكانه بياض في النسخ، والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.¥ لهنَّ وصيةً؟
قيل: لا؛ لأن ذلك إنما كانَ يكونُ جائزا لو تقدَّم الوصيةَ مِن الكلامِ ما يَصْلُحُ أن تكونَ الوصيةُ خارجةً منه، فأَمَّا ولم يَتَقَدَّمه ما يَحْسُنُ أن تكون منصوبةً بخروجِها منه، فغيرُ جائزٍ نصبُها بذلك المعنَى.
ذكرُ بعض مَن قال: إِنَّ سُكنَى حوْلٍ كامل كان حقًّا لأزواج المتوفِّين بعدَ موتِهم على ما قُلنا، أوصَى بذلك أزواجُهنَّ لهنَّ أو لم يُوصُوا لهنَّ به، وأن ذلك نُسِخ بما ذكَرنا مِن الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ والميراثِ
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ مِنهالٍ، قال: ثنا هَمَّامُ بن يحيى، قال: سألتُ قتادة عن قولِه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}. فقال: كانت المرأةُ إذا تُوفِّى عنها زوجُها، كان لها السُّكْنَى والنفقةُ حَوْلًا في مالِ زوجِها ما لم تَخْرُجُ، ثم نسخ ذلك بعدُ في سورةِ "النساء"، فجعَل لها فريضةً معلومةً؛ الثمن إن كان له ولدٌ، والرُّبُع إن لم يكن له ولدٌ، وعِدَّتَها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فقال تعالى ذِكُره: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}. فنسَختْ هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن أمرِ الحوْلِ ¬أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 215 من طريق همام به، وهو في تفسير عبد الرزاق 1/ 96 - ومن طريقه النحاس في ناسخه ص 240 - عن معمر، عن قتادة.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} الآية. قال: كان هذا مِن قبل أن تَنْزِل آيةُ الميراثِ، فكانت المرأةُ إذا تُوفِّى عنها زوجُها، كان لها السُّكْنَى والنفقةُ حولًا إن شاءَت، فنسَخ ذلك في سورةِ "النساءِ"، فجعَل لها فريضةً معلومةً، جعل لها الثُّمُنَ إن كان ¬في س: "لم يكن".¥ له ولدٌ، وإن لم يكن له ولدٌ فلها الرُّبُعُ، وجعَل عدَّتَها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فقال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 451 عقب الأثر (2390) مِن طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}: فكان الرجلُ إذا مات وترَك امرأتَه، اعتدَّتْ سنةً في بيتِه، يُنْفَقُ عليها مِن مالِه، ثم أَنْزَلَ اللهُ تعالى ذِكُره بعد: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}، فهذه عِدّةُ المُتوفَّى عنها زوجُها ¬سقط من: ص، ت 2، ت 3.¥، إلا أن تكونَ حاملًا، فعدّتُها أن تَضَعَ ما في بطنِها، وقال في ميراثِها: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ} [النساء: 12]. فبيَّن اللهُ ميراثَ المرأةِ، وتَرك الوصيةَ والنفقةَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 452 (2391)، والنحاس في ناسخه ص 240، 241، والبيهقي 7/ 427 من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ ¬في م، ت 1: "عبيد الله".¥ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ف}: كان الرجلُ إِذا تُوفِّى أَنْفِقَ على امرأتِه في عامِه إلى الحَوْلِ، ولا تُزوَّجُ حتى تَسْتَكْمِلَ الحوْلَ، وهذا مَنسوخٌ، نسَخ ¬في ص: "لنسخ".¥ النفقةَ عليها الرُّبُعُ أو ¬في م: "و".¥ الثمنُ مِن الميراثِ، ونسَخ الحولَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ ¬في م: "عشرا".
والأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (415) - تفسير مِن طريق جويبر به بنحوه.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}. قال: الرجل إذا تُوفِّي أَنْفِقَ على امرأتِه إلى الحوْلِ، ولا تُزَوَّجُ حتى يَمْضِيَ الحَوْلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه وَالَّذِينَ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}. فنسَخ الأجلُ الحولَ، ونسَخ النفقةَ الميراثُ؛ الرُّبعُ والثُّمنُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}. قال: كان ميراثُ المرأةِ مِن زوجِها مِن رَبْعِه ¬في م: "ريعه". والربع: المنزل، والدار، والمسكن. ينظر اللسان (ر ب ع).¥ أن تَسْكُنَ إن شاءتْ مِن يومِ يموتُ زوجُها إلى الحولِ، يقولُ {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} الآية. ثم نسَخها ما فرَض اللهُ مِن الميراثِ. قال: وقال مجاهدٌ: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ}. سُكْنَى الحوْلِ، ثم نسخ هذه الآيةَ الميراثُ ¬أخرجه ابن الجوزي في نواسخه ص 215، 216 مِن طريق ابن جريج به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان لأزواجِ الموتى - حينَ كانت الوصيةُ - نفقةُ سنةٍ، فنسَخ اللهُ ذلك الذي كتَب للزوجةِ مِن نفقةِ السنةِ بالميراثِ، فجعَل لها الرُّبعَ أو الثَّمن. وفي قولِه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}. قال: هذه الناسخةُ ¬ينظر المحرر الوجيز 2/ 153.¥.
ذكرُ مَن قال: كان ذلك يكونُ لهنَّ وصيةً ¬في م: "بوصية".¥ مِن أزواجهنَّ لهنَّ به
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} الآية. قال: كانت هذه مِن قبلِ الفرائضِ، فكان الرجلُ يُوصِى لامرأته ولمن شاءَ، ثم نُسِخ ذلك بعد، فألْحَق الله تعالى بأهلِ المواريثِ مِيراثَهم، وجعَل للمرأةِ إنْ كان له ولدٌ الثمنَ، وإن لم يكنْ له ولدٌ فلها الربعُ، وكان يُنْفَقُ على المرأةِ حوْلًا مِن مالِ زَوجِها، ثم تُحوَّلُ مِن بيتِه، فنسَخت ¬في م: "فنسخته".¥ العدَّةُ {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}، ونسَخ الربعُ أو الثمنُ الوصيةَ لهنَّ، فصارت الوصيةُ لذَوِي القرابةِ الذين لا يَرِثون ¬أخرجه ابن الجوزي في نواسخه ص 216 من طريق سعيد به.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} إلى: {مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ}: يوم نزلت هذه الآيةُ كان الرجلُ إِذا مات أوْصَى لامرأتِه بنفقتِها وسُكناها سنةً، وكانت عِدّتُها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فإن هي خرَجت حينَ تَنْقَضي أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ انْقَطعت عنها النفقةُ، فذلك قولُه: {فَإِنْ خَرَجْنَ}. وهذا قبل أن تَنْزِلَ آيةُ الفرائضِ، فنسَخه الرُّبعُ والثُّمنُ، فأَخَذتْ نصيبَها، ولم يكن لها سُكنى ولا نفقةٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 451 عقب الأثر (2390) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني أحمدُ بنُ المقدام، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، قال: سمِعتُ أبي، قال: يَزْعُمُ قتادةُ أنه كان يُوصَى للمرأةِ بنفقتها إلى رأسِ الحَوْلِ ¬ينظر المحرر الوجيز 2/ 153.¥.
ذِكرُ مَن قال: نسَخ ذلك ما كان لهنَّ مِن المتاعِ إلى الحَوْلِ. مِن غيرِ تنبيهٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3 س: "بينة". وغير منقوطة في ص، والمثبت هو الصواب.¥ على أيِّ وجهٍ كان ذلك لهنَّ
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن إبراهيم في قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ}. قال: هي منسوخةٌ ¬أخرجه ابن الجوزي في نواسخه ص 216 من طريق سفيان به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بن الزِّبْرقانِ النَّخَعيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: سمعتُ إبراهيمَ يقولُ. فذكَر نحوه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن حُصَيْنٍ، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصريِّ، قالا: قال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}: فنَسَخ ذلك بآية الميراث، وما فرض لهنَّ فيها من الربع والثمن، ونَسَخ أجَلَ الحَوْلِ أن جعل أجَلَها أربعة أشهرٍ وعشرًا ¬أخرجه النسائي (3546)، وابن الجوزي في نواسخه ص 215 من طريق سماك، عن عكرمة. وهو مختصر عند النسائي.¥.
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونس، عن ابن سيرين، عن ابن عباسٍ أنه قام يَخْطُبُ الناسَ هَهُنا، فقرأ لهم سورة "البقرة"، فبيَّن لهم منها، فأتى على هذه الآية: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]. قال: فنُسِخت هذه. ثم قرأ حتى أتى على هذه الآية: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} إلى قوله: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فقال: وهذه ¬أخرجه البيهقي 7/ 427 من طريق يعقوب به، وأخرجه الحاكم 2/ 273، والبيهقي 6/ 265 من طريق ابن علية به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (416 - تفسير) من طريق يونس به، وأصله في البخاري (2747، 4578، 6739).¥.
وقال آخرون: هذه الآيةُ ثابتةُ الحكمِ لم يُنْسَخْ منها شيءٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} قال: كانت هذه للمعتدَّةِ، تَعْتَدُّ عند أهل زوجها واجبًا ذلك عليها، فأنزل الله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} إلى قوله: {مِنْ مَعْرُوفٍ}. قال: جعل الله لهم ¬في البخاري: "لها".¥ تمامَ السنة سبعة أشهرٍ وعشرين ليلةً وصيَّةً، إن شاءتْ سكنتْ في وصيَّتِها، وإن شاءت خرَجتْ، وهو قولُ الله تعالى ذكرُه: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. قال: والعدَّةُ كما هي واجبةٌ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬أخرجه البخاريّ (4531) من طريق شبل به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن عطاءٍ، عن ابن عباس أنه قال: نسَخت هذه الآية عدَّتَها عند أهلها ¬في م: "أهله".¥، تَعْتَدُّ حيثُ شاءت، وهو قولُ اللهِ: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ}. قال عطاءٌ: إن شاءت اعتدَّت عند أهلِه وسكَنت في وَصيَّتها ¬في م: "وصية".¥، وإن شاءت خرَجتْ لقول الله تعالى ذكره: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ}. قال عطاءٌ: جاء الميراثُ بنسخِ السُّكنَى، تَعْتَدُّ حيثُ شاءتْ، ولا سُكنَى لها ¬أخرجه البخاريّ (4531)، وأبو داود (2301) من طريق شبل به، وأخرجه النسائي (3531) من طريق ابن أبي نجيح به دون قول عطاء.¥.
وأوْلَى هذه الأقوالِ عندي في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه كان جعَل لأزواج من مات من الرجال بعد موتهم سُكنَى حَولٍ في منزله، ونفقتَها في مال زوجها الميِّتِ إلى انقضاءِ السنَةِ ¬بياض في ص، ت 1، ت 2، ت 3، وفي س: "عدتها".¥، ووجب على ورثةِ الميت ألا يُخْرِجُوهُنَّ قبل تمام الحول من المسكن الذي يَسْكُنَّه، وإن هنَّ ترَكنَ حقَّهنَّ مِن ذلك وخرَجْنَ لم تَكُنْ ورثةُ الميت من خروجهنَّ في حَرَج، ثم إن الله تعالى ذكره نسخ النفقة بآية الميراث، وأبْطَل مما كان جعَل لهنَّ مِن سُكْنَى حَوْلٍ سبعة أشهرٍ وعشرين ليلةً، وردَّهنَّ إلى أربعة أشهرٍ وعَشْرٍ على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[بحكمه في [حديث أختِ] ¬في س: "حديث". ومكانه بياض في باقي النسخ، وما أثبتناه أشبه بالصواب واستظهرناه من الحديث التالي.¥ سعد ¬في النسخ: "كعب". وسعد بن مالك هو أبو سعيد الخدري.¥ ابن مالكٍ، وذلك ما حدَّثني به] ¬في م: "حدثني".¥ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم، قال: ثنا حجَّاجُ [ابن رِشدين] ¬في س: "عبد الرحمن".¥، قال: [أخبرنا حَيْوَةُ بْنُ شُرِيحٍ، عن ابن عَجْلانَ، عن سعد ¬في النسخ: "سعيد". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر: تهذيب ا
لكمال 10/ 248.¥ بن إسحاق بن كعب بن عُجْرَةَ] ¬سقط من (س).¥، أخبَره عن عمَّتِه زينب ابنة كعبِ بن عُجْرَةَ، عن الفارعة ¬في م: "فريعة".¥ أخت أبي سعيد الخُدْرِيِّ، أنّ زوجها خرج في طلب عبد له، فلحِقه بمكانٍ قريبٍ، فقاتَلَه وأعانَه عليه أَعْبُدٌ معَه، فقتلوه، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن زوجَها خرج في طلب عبد له، فلقِيَه عُلوجٌ فقَتلوه، وإني في مكانٍ ليس فيه أحدٌ غيرى، وإنَّ أجمع لأمرى أن أنْتَقِلَ إلى أهْلِى، فقال لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "بل امْكُثِي مكانَكِ حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجَلَه" ¬أخرجه أبو داود (2301)، والترمذي (1204) وابن ماجه (2031) من طريق سعد به، وينظر الطيالسي (1769).¥.
وأمَّا قوله: {مَتَاعًا}. فإن معناه: جعل ذلك لهنَّ متاعًا. أي الوصية التي كتبها الله لهنَّ.
وإنما نصب المتاع لأن في قوله: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ}. معنى: متَّعهِنَّ اللَّهُ.
فقيل: {مَتَاعًا} مصدرًا مِن معناه لا من لفظه.
وقوله: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فإن معناه أن الله تعالى ذكرُه جعل ما جعل لهنَّ مِن الوصية متاعًا منه لهنَّ إلى الحَوْلِ، لا إخراجًا مِن مَسكن زوجها. يعنى: لا إخراج فيه ¬سقط من: س. وفيه: أي في الحول.¥ منه حتى يَنْقَضِيَ الحَوْلُ. فنصب {غَيْرَ} على النعت للمتاع؛ كقول القائل: هذا قيامٌ غير قعودٍ. بمعنى: هذا قيامٌ لا قعود معه، أو: لا قعود فيه.
وقد زعم بعضُهم أنه منصوبٌ بمعنى: لا تُخْرِجُوهُنَّ إخراجًا. وذلك خطأٌ من القول؛ لأنّ ذلك إذا نُصب على هذا التأويل، كان نصبُه من كلامٍ آخر غير الأولِ، وإنما هو منصوبٌ بما نصَب "المتاعَ" على النعتِ له.
القولُ في تأويل قوله: {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240)}.
يعني تعالى ذكرُه بذلك أن المتاعَ الذي جعله الله لهنَّ إلى الحولِ في مالِ أزواجهنَّ بعد وفاتِهم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "وفاتهن".¥ وفي مساكنهم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "مساكنهن".¥، ونهى ورثته عن إخراجهنَّ، إنما هو لهنَّ ما أقمْنَ في مساكن أزواجهنَّ، وأن حقوقهنَّ مِن ذلك تَبْطُلُ بِخُروجهنَّ إِن خَرَجْنَ من منازل أزواجهنَّ قبل الحول من قبل أنفسهنَّ بغير إخراج من ورثة الميِّتِ، ثم أخبر تعالى ذكرُه أنه لا حَرَجَ على أولياءِ الميتِ في خروجهنَّ، وتركهنَّ الحداد على أزواجهنَّ؛ لأن المُقام حوْلًا في بيوت أزواجهنَّ والحداد عليه تمام حولٍ كامل لم يكن فرضًا عليهنَّ، وإنما كان ذلك إباحةً مِن الله تعالى ذكرُه لهنَّ إن أقمْنَ تمامَ الحَوْلِ مُحِدَّاتٍ، فأَمَّا إِن خَرَجْنَ، فلا جُناحَ على أولياء الميت ولا عليهنَّ فيما فعَلْنَ في أنفسهنَّ من معروفٍ، وذلك تركُ الحداد. يقولُ: فلا حرج عليكم في التزيُّن إن تَزَيَنَّ وتَطيَّبْنَ وتَزَوَّجْنَ؛ لأن ذلك لهنَّ.
وإنما قلنا: لا حرج عليهنَّ في خُروجهنَّ. وإن كان إنما قال تعالى ذكرُه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. لأن ذلك لو كان عليهنَّ فيه جناحٌ، لكان على أولياء الرجل فيه جُناحٌ بتركهم إياهنَّ والخروج، مع قدرتهم على منعهنَّ من ذلك، ولكن لما لم يكُن عليهنَّ جُناحٌ في خُروجهنَّ وترْكِ الحدادِ، وضع عن أولياء الميت وغيرِهم الحرجُ فيما فعَلْنَ من معروفٍ، وذلك في أنفسهنَّ. وقد مضَت الروايةُ عن أهل التأويل بما قلنا في ذلك قبلُ.
وأمَّا قولُه {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فإنه يعنى تعالى ذكرُه: والله عزيزٌ في انتقامه ممن خالَف أمرَه ونهيَه وتعدَّى حدودَه مِن الرجال والنساء، فمنَع مَن كان مِن الرجال نساءَهم وأزواجهم ما فُرِض لهنَّ عليهم في الآيات التي مضَتْ قبلُ من المتعة والصَّدَاقِ والوصية، وإخراجهنَّ قبل انقضاء الحولِ، وترْك المحافظة على الصلوات وأوقاتها، ومنع من كان من النساء ما ألزمَهنَّ ¬في ص: "ألزمهم".¥ الله من التربُّص عند وفاة أزواجهنَّ عن الأزواج، وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات، حكيمٌ فيما قضَى بينَ عباده من قضاياه التي قد تقدَّمت في الآياتِ قَبلَ قوله: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وفي غير ذلك من أحكامه وأقضيته.