تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)}.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا}. قول إبراهيمَ لمُخاصِمِيه مِن قومِه المشركين: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ} أمَن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا مُخْلِصًا له الدينَ والعبادةَ، أمَّن يَعْبُدُ أربابًا كثيرةً؟ وإجابتُهم إياه بقولِهم: بل مَن يَعْبُدُ ربًّا واحدًا أحقُّ بالأمنِ. وقضاؤُهم له على أنفسِهم، فكان في ذلك قطعُ عذرِهم، وانقطاعُ حجتِهم، واسْتِعلاءُ حجةِ إبراهيمَ عليهم، فهى الحجةُ التي آتاها اللهُ إبراهيمَ على قومِه ¬تقدم في ص 369 أن المصنف، رحمه الله، رجح أن قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} خبر من الله تعالى عن أَوْلى الفريقين بالأمن، وفصل قضاء منه بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه، ثم عاد هنا فذكر أنه من قول قوم إبراهيم عليه السلام، وهو مارده هناك ولم يرتضه.¥.
كالذي حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}. قال: هي ¬في ص: "هو"، وفي ف: "هؤلاء".¥ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال إبراهيمُ حينَ سأَل: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ}. قال: هي حجةُ إبراهيمَ ¬ينظر ما تقدم تخريجه في ص 367.¥.
وقولُه: {آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}. يقولُ: لقَّنّاها إبراهيمَ، و [بصَّرْناها إياه] ¬في م: "بصرناه إياها".¥، ورفعْناه ¬في ص: "عرفناه".¥ على قومِه.
{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}. واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: (نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَشاءُ). بإضافةِ الدرجاتِ إلى "مَن"، بمعنى: نَرْفَعُ الدرجاتِ لمَن نَشاءُ ¬هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص 261.¥.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}. بتنوينِ الدرجاتِ، بمعنى: نَرْفَعُ مَن نَشَاءُ دَرَجَاتٍ ¬وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.¥. والدرجاتُ جمعُ دَرَجةٍ، وهي المرتبةُ، وأصلُ ذلك مَراقي السُّلَّمِ ودرجُه، ثم تُسْتَعْمَلُ في ارتفاعِ المنازلِ والمراتبِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: هما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرَأةِ، متقاربٌ معناهما. وذلك أن مَن رُفِعَت درجتُه فقد رُفِع في الدَّرَجِ، ومَن رُفِع في الدَّرَجِ فقد رُفِعَت درجتُه، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ في ذلك.
فمعنى الكلامِ إذن: وتلك حُجَّتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومِه، فرفَعْنا بها درجتَه عليهم، وشرَّفْناه بها عليهم في الدنيا والآخرةِ، فأما في الدنيا فآتَيْناه فيها أجره، وأما في الآخرةِ فهو مِن الصالحين. {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}. أي: بما فعَل ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "فعلت".¥ مِن ذلك وغيرِه ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "حكيم عليم".¥.
وأما قولُه: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. فإنه يعني: إن ربَّك يا محمدُ حكيمٌ في سِياستِه خلقَه، وتَلْقينِه أنبياءَه الحججَ على أممِهم المُكَذِّبةِ لهم، الجاحدةِ توحيدَ ربِّهم، وفي غيرِ ذلك مِن تدبيرِه، عليمٌ بما يَئُولُ إليه أمرُ رسلِه والمُرْسلين إليه ¬في م: "إليهم".¥؛ مِن ثَباتِ الأممِ على تكذيبِهم إياهم، وهلاكِهم على ذلك، أو إنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد اللهِ تعالى، وتصديقِ رسلهِ، والرجوع إلى طاعته.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: فأْتَسِ يا محمدُ في نفسِك وقومك المُكَذِّبيك والمشركين، بأبيك خليلي إبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم -، واصْبِر على ما يَنوبُك منهم صبرَه، فإني بالذي يَئُولُ إليه أمرُك وأمرُهم عالمٌ بالتدبيرِ فيك وفيهم حكيمٌ.