এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ৯ : আয়াত ৬০

সূরা ৯ : আয়াত ৬০

إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

নিশ্চয় সাদাকা (যাকাত) তো শুধু ফকীর(২৫), মিসকীন(২৬) ও যাকাত আদায়ের কাজে নিযুক্ত কর্মচারীদের জন্যে, যাদের অন্তর আকৃষ্ট করতে হয় তাদের জন্যে(২৭), দাসমুক্তিতে, ঋণ ভারাক্রান্তদের জন্যে, আল্লাহর পথে (মুজাহিদদেরকে তৈরি করার জন্যে) ও মুসাফিরদের(২৮) জন্যে। এটা আল্লাহর পক্ষ থেকেই নির্ধারিত বিধান। আর আল্লাহ সর্বজ্ঞ, প্রজ্ঞাময়।

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير ابن كثير

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)}.

لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولمزهم إياه في قسم الصدقات بيَّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين كما رواه الإمام أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعمُ -وفيه ضعف-، عن زياد بن نُعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له: "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك" ¬أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الزكاة، باب من يعطي من الصدقة ... ح 1630)، وسنده ضعيف، لضعف عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، وهو الإفريقي.¥.

وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية هل يجب استيعاب الدفع لها أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين:

(أحدهما): أنه يجب ذلك وهو قول الشافعي وجماعة.

(والثاني): أنه لا يجب استيعابها بل يجوز الدفع إلى واحد منها ويعطي جميع الصدقة مع وجود الباقين وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران، قال ابن جرير: وهو قول جماعة عامة من أهل العلم.

وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف ههنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء. ولوجوه الحِجاج والمآخذ مكان غير هذا والله أعلم.

وإنما قدَّم الفقراء ههنا على البقية؛ لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدة فاقتهم وحاجتهم، وعند أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالًا من الفقير وهو كما قال.

وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا ابن عون، عن محمد قال: قال عمر - رضي الله عنه -: الفقير ليس بالذي لا مال له، ولكن الفقير الأخلق الكسب. قال ابن علية: الأخلق المحارف ¬المحارف الذي لا يملك مالًا ينميه.¥ عندنا ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع لابن محمد وهو ابن سيرين، وأما سنده إلى ابن علية وهو إسماعيل فصحيح.¥.

والجمهور على خلافه وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وابن زيد ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه بلفظ: "المساكين" الطوافون، والفقراء فقراء المسلمين، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: "الفقراء الذين لا يسألون الناس، والمساكين: الذين يسألون"، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أشعث عنه بنحو قول مجاهد، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب بنحو سابقه.¥.

واختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئًا والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويتبع الناس.

وقال قتادة: الفقير من به زمانة والمسكين الصحيح الجسم ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.¥.

وقال الثوري، عن منصور، عن إبراهيم هم: فقراء المهاجرين ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الثوري به.¥، قال سفيان الثوري: يعني ولا يعطى الأعراب منها شيئًا، وكذا روي عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ¬هذا القول المنسوب إلى الثوري غريب لم أجد مفسرًا نقله بهذا اللفظ سوى الطبري وقد أخرجه ابن أبي حاتم وأبو عبيد (الأموال رقم 1939)، وابن زنجويه في (الأموال رقم 2284) بدون ذكر قول سفيان، وأما ما نسبه الحافظ ابن كثير إلى سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن فإنهما لم يروياه بهذا اللفظ الغريب وإنما أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير بلفظ: "يعطى من

الزكاة من له الدار والخادم والفرس" (المصنف 3/ 179) وبنحو هذا اللفظ أخرجه الطبري بسنده عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى. وليس فيه: لا يعطي الأعراب منها شيئًا.¥.

وقال عكرمة: لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، إنما المساكين أهل الكتاب ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عمر بن نافع عن عكرمة، وعمر بن نافع هو الثقفي الكوفي ضعيف.¥.

ولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية. فأما الفقراء فعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحلُّ الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَوِيٍّ" ¬أي صاحب قوة صحيح الجسم.¥ رواه أحمد وأبو داود والترمذي ¬المسند 11/ 84 (ح 6530)، وقال محققوه: إسناده قوي. وسنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى الصدقة (ح 1634)، وسنن الترمذي، أبواب الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى (ح 652) وحسنه.¥.

ولأحمد -أيضًا- والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة مثله وعن عبيد الله بن عَدي بن الخيار: أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر فرآهما جَلدين فقال: "إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" ¬المسند 29/ 486 (ح 17972)، وصحح سنده محققوه، وسنن أبي داود، الزكاة، باب من يعطى الصدقة (ح 1633)، وسنن النسائي، الزكاة، باب إذا لم يكن له دراهم 5/ 99، وقوى سنده الحافظ ابن كثير.¥ رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد قوي.

وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: أبو بكر العبسي قال: قرأ عمر - رضي الله عنه -: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} قال: هم أهل الكتاب ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عمر بن نافع الثقفي الكوفي عن أبي بكر العبسي به، وعمر بن نافع ضعيف، وأبو بكر العبسي ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح 9/ 341).¥ روى عنه عمر بن نافع سمعت أبي يقول ذلك.

(قلت): وهذا قول غريب جدًا بتقدير صحة الإسناد، فإن أبا بكر هذا وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته لكنه في حكم المجهول.

وأما (المساكين) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئًا" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية 177.¥ رواه الشيخان.

وأما (العاملون عليها) فهم الجُباة والسُعاة يستحقون منه قسطًا على ذلك ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين تحرم عليهم الصدقة لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستعملهما على الصدقة فقال: "إن الصدقة لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" ¬صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة (ح 1072).¥.

وأما (المؤلفة قلوبهم) فأقسام: منهم من يُعطى ليسلم، كما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - صفوان بن أُمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركًا، قال: فلم يزل يعطيني حتى صار أحبَّ الناس إليَّ بعد أن كان أبغضَّ الناس إلي، كما قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، أنبأنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أُمية قال: أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حُنين وإنه لأبغض الناس إليَّ، فمازال يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 6/ 465)، وسنده صحيح.¥. ورواه مسلم والترمذي من حديث يونس عن الزهري به ¬صحيح مسلم، الفضائل، باب ما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا ... (ح 2313)، وسنن الترمذي، الزكاة، باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم (ح 666).¥.

ومنهم من يُعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حُنين أيضًا جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل، وقال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يكبَّه الله على وجهه في نار جهنَّم" ¬أخرجه البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - (الصحيح، الزكاة، باب قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] ح 1478).¥.

وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن عليًّا بعث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذهبية في تربتها في اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعُيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير، وقال: "أتألفهم" ¬صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ... } [هود: 50] (ح 3344)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (ح 1064).¥.

ومنهم من يُعطى لما يرجى من إسلام نظرائه.

ومنهم من يُعطى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، ومحل تفصيل هذا في كتب الفروع، والله أعلم.

وهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فيه خلاف:

فروي عن عمر وعامر الشعبي وجماعة: أنهم لا يُعطون بعده لأن الله قد أعزَّ الإسلام وأهله ومكَّن لهم في البلاد، وأذلَّ لهم رقاب العباد ¬قول عمر أخرجه البخاري (التاريخ الصغير 1/ 56) مختصرًا والطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا وقد صحح والحافظ ابن حجر سند رواية البخاري (الإصابة 1/ 55 و 59) وقول عامر الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف 3/ 223)، والطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.¥.

وقال آخرون: بل يُعطون لأنه عليه الصلاة والسلام قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن، وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يونس بن عبيد بن دينار عن الحسن البصري.¥.

وأما (الرقاب) فروي عن الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد أنهم المكاتبون ¬قول الحسن البصري أخرجه الطبري وابن أبي شيبة (المصنف 3/ 179)، كلاهما من طريق أشعث بن سوار، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.¥، وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه، وهو قول الشافعي والليث -رضي الله عنها-.

وقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة ¬قول ابن عباس أخرجه أبو عبيد من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس (الأموال ص 749) وصححه الحافظ ابن حجر (تغليق التعليق 3/ 24)، وقول الحسن البصري أخرجه ابن أبي شيبة والطبري بالسند المتقدم في الرواية السابقة (المصنف 3/ 179).¥، وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق، أي أن الرقاب أعمُّ من أن يُعطي المكاتَب أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا.

وقد ورد في ثواب الإعتاق وفكّ الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضو منها عضوًا من معتقها حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39)} [الصافات] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف" رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود ¬المسند 12/ 379 (ح 7416) وحسن سنده محققوه، وسنن الترمذي، فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والمكاتب (ح 1655)، وحسنه، وسنن النسائي، النكاح، باب معونه الله الناكح 6/ 61، وسنن ابن ماجه، العتق، باب المكاتب (ح 2518)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.¥.

وفي المسند عن البراء بن عازب قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله دلَّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟ فقال: "أعتق النسمة وفكَّ الرقبة" فقال: يا رسول الله أو ليسا واحدًا؟ قال: "لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفكُّ الرقبة أن تعين في ثمنها" ¬المسند 30/ 600 (ح 18647) وصحح سنده محققوه.¥.

وأما (الغارمون) فهم أقسام:

فمنهم من تحمل حمالة أو ضمن دينًا فلزمه فأجحف بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب فهؤلاء يدفع إليهم، والأصل في هذا الباب حديث قَبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمَّلت حمالة فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله فيها، فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها" قال: ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال سدادًا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا ¬أي: ذوو العقل.¥ من قرابة قومه، فيقولون: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال سدادًا من عيش- فما سواهنَّ من المسألة سُحت يأكلها صاحبها سحتًا" رواه مسلم ¬صحيح مسلم، الزكاة، باب من تحل له المسألة (ح 1044).¥.

وعن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "تصدقوا عليه" فتصدَّق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" رواه مسلم ¬صحيح مسلم، المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين (ح 1556).¥.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، أنبأنا صدقة بن موسى، عن أبي عمران الجوني، عن قيس بن يزيد، عن قاضي المِصْرَين ¬أي قاضي البصرة والكوفة، وهو شريح بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي.¥، عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يدعو الله بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين؟ وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة. فيقول الله: صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 234 ح 1708)، وضعف سنده محققوه لضعف صدقه وهو: ابن موسى الدقيقي.¥.

وأما (في سبيل الله) فمنهم الغُزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق والحج من سبيل الله للحديث.

وكذلك (ابن السبيل) وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره، فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال، وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه؛ والدليل على ذلك الآية وما رواه الإمام أبو داود وابن ماجه من حديث معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى لغني" ¬سنن أبي داود، الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني (ح 1635) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1440)، وأخرجه ابن ماجه في سننه، الزكاة، باب من تحل له الصدقة (ح 1841).¥. وقد رواه السفيانان عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلًا.

ولأبي داود، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن السبيل أو جار فقير فيهدي لك أو يدعوك" ¬السنن، الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني (ح 1637) وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.¥.

وقوله: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} أي: حكمًا مقدرًا بتقدير الله وفرضه وقسمه {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده {حَكِيمٌ} فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به، لا إله إلا هو ولا رب سواه.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৮